تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
يَتَغَيَّرْ حَالُهُ ، وَلَا ظَهَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ مَا كَانَ يَظْهَرُ عَلَى مُوسَى مِنْ التَّغَشِّي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ . وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ : مِمَّا قَدْ يُسَمَّى فَنَاءً : فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا مَوْجُودَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودُ الْمَخْلُوقِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ فَهَذَا فَنَاءُ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْإِلْحَادِ الْوَاقِعِينَ فِي الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ . وَالْمَشَايِخُ الْمُسْتَقِيمُونَ إذَا قَالَ أَحَدُهُمْ : مَا أَرَى غَيْرَ اللَّهِ ، أَوْ لَا أَنْظُرُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ مَا أَرَى رَبّاً غَيْرَهُ ، وَلَا خَالِقاً غَيْرَهُ وَلَا مُدَبِّراً غَيْرَهُ ، وَلَا إلَهاً غَيْرَهُ وَلَا أَنْظُرُ إلَى غَيْرِهِ مَحَبَّةً لَهُ أَوْ خَوْفاً مِنْهُ أَوْ رَجَاءً لَهُ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ تَنْظُرُ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَلْبُ ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئاً أَوْ رَجَاهُ أَوْ خَافَهُ الْتَفَتَ إلَيْهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلْبِ مَحَبَّةٌ لَهُ وَلَا رَجَاءٌ لَهُ وَلَا خَوْفٌ مِنْهُ وَلَا بُغْضٌ لَهُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ لَهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقَلْبُ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ وَلَا أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ وَلَا أَنْ يَرَاهُ وَإِنْ رَآهُ اتِّفَاقاً رُؤْيَةً مُجَرَّدَةً كَانَ كَمَا لَوْ رَأَى حَائِطاً وَنَحْوَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ تَعَلُّقٌ بِهِ . وَالْمَشَايِخُ الصَّالِحُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَذْكُرُونَ شَيْئاً مِنْ تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقِ إخْلَاصِ الدِّينِ كُلِّهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُلْتَفِتاً إلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا نَاظِراً إلَى مَا سِوَاهُ : لَا حُبّاً لَهُ ، وَلَا خَوْفاً مِنْهُ ، وَلَا رَجَاءً لَهُ بَلْ يَكُونُ الْقَلْبُ فَارِغاً مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ خَالِياً مِنْهَا لَا يَنْظُرُ إلَيْهَا إلَّا بِنُورِ اللَّهِ ، فَبِالْحَقِّ يَسْمَعُ وَبِالْحَقِّ يُبْصِرُ وَبِالْحَقِّ يَبْطِشُ وَبِالْحَقِّ يَمْشِي ، فَيُحِبُّ مِنْهَا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ، وَيَبْغُضُ مِنْهَا مَا يَبْغُضُهُ اللَّهُ ، وَيُوَالِي مِنْهَا مَا وَالَاهُ اللَّهُ ، وَيُعَادِي مِنْهَا مَا عَادَاهُ اللَّهُ ، وَيَخَافُ اللَّهَ فِيهَا وَلَا يَخَافُهَا فِي اللَّهِ ، وَيَرْجُو اللَّهَ فِيهَا وَلَا يَرْجُوهَا فِي اللَّهِ ، فَهَذَا هُوَ الْقَلْبُ السَّلِيمُ الْحَنِيفُ الْمُوَحِّدُ الْمُسْلِمُ الْمُؤْمِنُ الْعَارِفُ الْمُحَقِّقُ الْمُوَحِّدُ بِمَعْرِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَبِحَقِيقَتِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ . وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ : وَهُوَ الْفَنَاءُ فِي الْمَوْجُودِ : فَهُوَ تَحْقِيقُ آلِ فِرْعَوْنَ وَمَعْرِفَتُهُمْ وَتَوْحِيدُهُمْ كَالْقَرَامِطَةِ وَأَمْثَالِهِمْ . وَهَذَا النَّوْعُ الَّذِي عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ هُوَ " الْفَنَاءُ الْمَحْمُودُ " الَّذِي يَكُونُ صَاحِبُهُ بِهِ مِمَّنْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ ، وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ ، وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ . وَلَيْسَ مُرَادُ الْمَشَايِخِ وَالصَّالِحِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الَّذِي أَرَاهُ بِعَيْنِي مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 208 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا