بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ مِنْ أَعْظَمِ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } وَدُعَاؤُهُمْ رَغَباً وَرَهَباً مِنْ الْخَيْرَاتِ ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ .
وَهَذَا الْبَابُ يَكُونُ تَارَةً مَعَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا بَعْضَ الْآخَرِ ، فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ تَخْصِيصاً لَهُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ مَطْلُوباً بِالْمَعْنَى الْعَامِّ ، وَالْمَعْنَى الْخَاصِّ ، وَتَارَةً تَكُونُ دَلَالَةُ الِاسْمِ تَتَنَوَّعُ بِحَالِ الِانْفِرَادِ وَالِاقْتِرَانِ ، فَإِذَا أَفْرَدَ عَمَّ ، وَإِذَا قَرَنَ بِغَيْرِهِ خَصَّ ، كَاسْمِ " الْفَقِيرِ " " وَالْمِسْكِينِ " لَمَّا أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } وَقَوْلِهِ : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ ، وَلَمَّا قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } صَارَا نَوْعَيْنِ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْخَاصَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الْعَامِّ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَامِّ حَالَ الِاقْتِرَانِ ؛ بَلْ يَكُونُ مِنْ هَذَا الْبَابِ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَازِماً قَالَ تَعَالَى : { مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْك وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } .
وَذِكْرُ الْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ يَكُونُ لِأَسْبَابٍ مُتَنَوِّعَةٍ : تَارَةً لِكَوْنِهِ لَهُ خَاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِسَائِرِ أَفْرَادِ الْعَامِّ ؛ كَمَا فِي نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى .
وَتَارَةً لِكَوْنِ الْعَامِّ فِيهِ إطْلَاقٌ قَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ، وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك } فَقَوْلُهُ : { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } يَتَنَاوَلُ الْغَيْبَ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ؛ لَكِنْ فِيهِ إجْمَالٌ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِنْ الْغَيْبِ مَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك .
وَقَدْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 174
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٤