تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُك اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } أَيْ حَسْبُك وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَك اللَّهُ .
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى حَسْبُك اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَهُ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطاً فَاحِشاً ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } .
" وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ " أَنَّ الْعَبْدَ يُرَادُ بِهِ " الْمُعَبَّدُ " الَّذِي عَبَّدَهُ اللَّهُ فَذَلَّلَهُ وَدَبَّرَهُ وَصَرَّفَهُ .
وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ : الْمَخْلُوقُونَ كُلُّهُمْ عِبَادُ اللَّهِ مِنْ الْأَبْرَارِ ، وَالْفُجَّارِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَالْكُفَّارِ ، وَأَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَأَهْلِ النَّارِ ، إذْ هُوَ رَبُّهُمْ كُلِّهِمْ وَمَلِيكُهُمْ ، لَا يَخْرُجُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَكَلِمَاتِهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ ؛ فَمَا شَاءَ كَانَ وَإِنْ لَمْ يَشَاءُوا .
وَمَا شَاءُوا إنْ لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } .
فَهُوَ سُبْحَانَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَخَالِقُهُمْ ، وَرَازِقُهُمْ ، وَمُحْيِيهمْ ، وَمُمِيتُهُمْ ، وَمُقَلِّبُ قُلُوبِهِمْ ، وَمُصَرِّفُ أُمُورِهِمْ ، لَا رَبَّ لَهُمْ غَيْرُهُ ، وَلَا مَالِكَ لَهُمْ سِوَاهُ ، وَلَا خَالِقَ إلَّا هُوَ ، سَوَاءٌ اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ أَوْ نَكِرُوهُ ، وَسَوَاءٌ عَلِمُوا ذَلِكَ أَوْ جَهِلُوهُ ؛ لَكِنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ عَرَفُوا ذَلِكَ وَاعْتَرَفُوا بِهِ ، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ جَاهِلاً بِذَلِكَ ؛ أَوْ جَاحِداً لَهُ مُسْتَكْبِراً عَلَى رَبِّهِ ، لَا يُقِرُّ وَلَا يَخْضَعُ لَهُ ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ .
فَالْمَعْرِفَةُ بِالْحَقِّ إذَا كَانَتْ مَعَ الِاسْتِكْبَارِ عَنْ قَبُولِهِ ، وَالْجَحْدِ لَهُ كَانَ عَذَاباً عَلَى صَاحِبِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَك وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 159
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٩