إلَّا بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي قَدْ جُعِلَتْ لِإِبَانَةِ مَا فِي الْقَلْبِ ، إذْ الْأَفْعَالُ مِنْ الْمُعَاطَاةِ وَنَحْوِهَا يَحْتَمِلُ وُجُوهاً كَثِيرَةً ، وَلِأَنَّ الْعُقُودَ مِنْ جِنْسِ الْأَقْوَالِ فَهِيَ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ .
الْقَوْلُ الثَّانِي : إنَّهَا تَصِحُّ بِالْأَفْعَالِ فِيمَا كَثُرَ عَقْدُهُ بِالْأَفْعَالِ ، كَالْمَبِيعَاتِ بِالْمُعَاطَاةِ ، وَكَالْوَقْفِ فِي مِثْلِ مَنْ بَنَى مَسْجِداً وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ ، أَوْ سَبَّلَ أَرْضاً لِلدَّفْنِ ، أَوْ بَنَى مَطْهَرَةً وَسَبَّلَهَا لِلنَّاسِ ، وَكَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْإِجَارَةِ : كَمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى غَسَّالٍ أَوْ خَيَّاطٍ يَعْمَلُ بِالْأُجْرَةِ ، أَوْ رَكِبَ سَفِينَةَ مَلَّاحٍ ، وَكَالْهَدِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِالْأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا لَفَسَدَتْ أُمُورُ النَّاسِ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ مِنْ لَدُنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى يَوْمِنَا مَا زَالُوا يَتَعَاقَدُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِلَا لَفْظٍ بَلْ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى الْمَقْصُودِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْغَالِبِ عَلَى أُصُولِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَوَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الْجَلِيلَةِ فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلَمْ يَجْرِ بِهِ الْعُرْفُ .
الْقَوْلُ الثَّالِثُ : إنَّهَا تَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى مَقْصُودِهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، فَكُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعاً وَإِجَارَةً فَهُوَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَ اصْطِلَاحُ النَّاسِ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَفْعَالِ انْعَقَدَ الْعَقْدُ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ بِمَا يَفْهَمُونَهُ بَيْنَهُمْ مِنْ الصِّيَغِ وَالْأَفْعَالِ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مُسْتَمِرٌّ لَا فِي شَرْعٍ وَلَا فِي لُغَةٍ ، بَلْ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ اصْطِلَاحِ النَّاسِ ، كَمَا تَتَنَوَّعُ لُغَاتُهُمْ ، فَإِنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، لَيْسَ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي فِي لُغَةِ الْفُرْسِ أَوْ الرُّومِ أَوْ التُّرْكِ أَوْ الْبَرْبَرِ أَوْ الْحَبَشَةِ ، بَلْ قَدْ يَخْتَلِفُ أَنْوَاعُ اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ الْتِزَامُ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ فِي الْمُعَامَلَاتِ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ التَّعَاقُدُ بِغَيْرِ مَا يَتَعَاقَدُ بِهِ غَيْرُهُمْ ، إذَا كَانَ مَا تَعَاقَدُوا بِهِ دَالّاً عَلَى مَقْصُودِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسْتَحَبُّ بَعْضُ الصِّفَاتِ .
وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أُصُولِ مَالِكٍ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقاً وَإِنْ كَانَ قَدْ وُجِدَ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْفِعْلُ مِنْ الْآخَرِ ، بِأَنْ يَقُولَ : خُذْ هَذَا لِلَّهِ فَيَأْخُذَهُ ، أَوْ يَقُولَ : أَعْطِنِي خُبْزاً بِدِرْهَمٍ فَيُعْطِيَهُ ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِهِمَا بِأَنْ يَضَعَ الثَّمَنَ وَيَقْبِضَ جِرْزَةَ الْبَقْلِ أَوْ الْحَلْوَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا يَتَعَامَلُ بِهِ غَالِبُ النَّاسِ ، أَوْ يَضَعُ الْمَتَاعَ لِيُوضَعَ لَهُ بَدَلُهُ ، فَإِذَا وُضِعَ الْبَدَلُ الَّذِي يَرْضَى بِهِ أَخَذَهُ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 6
مساهمون: ابن تيمية
ص٦