رَجُلٍ لِلزَّرْعِ ، عَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا الْمُؤَجِّرُ فَقَدْ اسْتَأْجَرَ أَرْضَهُ وَاسْتَأْجَرَ مِنْهُ عَمَلاً فِي الذِّمَّةِ .
وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا لَوْ اسْتَكْرَى مِنْهُ جَمَلاً أَوْ حِمَاراً عَلَى أَنْ يَحْمِلَ الْمُؤَجِّرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ ، وَهَذَا إجَارَةُ عَيْنٍ وَإِجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ ، فَيَكُونُ قَدْ اسْتَأْجَرَ عَيْنَيْنِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ السُّكْنَى مَقْصُودَةً ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ ابْتِيَاعُ ثَمَرَةٍ فِي بُسْتَانٍ ذِي أَجْنَاسٍ ، وَالسَّقْيُ عَلَى الْبَائِعِ .
فَهَذَا عِنْدَ اللَّيْثِ يَجُوزُ وَهُوَ قِيَاسُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَقَرَّرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ كَالْحَاجَةِ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ ، وَرُبَّمَا كَانَ أَشَدَّ ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُ بَيْعُ كُلِّ جِنْسٍ عِنْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، فَإِنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ ، وَفِي بَعْضِهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِضَرَرٍ كَثِيرٍ ، وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يُوَاطِئُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ كُلَّمَا صَلَحَتْ ثَمَرَةٌ يُقَسِّطُ عَلَيْهَا بَعْضَ الثَّمَرِ .
وَهَذَا مِنْ الْحِيَلِ الْبَارِزَةِ الَّتِي لَا يَخْفَى حَالُهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَا زَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ ذَوُو الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ يُنْكِرُونَ تَحْرِيمَ مِثْلِ هَذَا ، مَعَ أَنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تُنَافِي تَحْرِيمَهُ ، لَكِنْ مَا سَمِعُوهُ مِنْ الْعُمَومَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْقِيَاسِيَّةِ الَّتِي اعْتَقَدُوا شُمُولَهَا هَذَا ، مَعَ مَا سَمِعُوهُ مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُدْرِجُونَ هَذَا الْعُمُومَ الَّذِي أَوْجَبَ مَا أُوجِبَ وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الْمَقْثَاةِ جَمِيعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ؛ لِأَنَّ تَفْرِيقَ بَعْضِهَا مُتَعَسِّرٌ وَمُتَعَذِّرٌ ، كَتَعَسُّرِ تَفْرِيقِ الْأَجْنَاسِ فِي الْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَشَقَّةُ فِي الْمَقْثَاةِ أَوْكَدَ ، وَلِهَذَا جَوَّزَهَا مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فِي الْأَجْنَاسِ كَمَالِكٍ ، فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الصُّورَةُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَكْرَاهُ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ كَمَا قَرَّرْتُمْ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ لِمَنْ يَعْمَلُ لَا بَيْعٌ لِغَيْرِهِ ، وَأَمَّا هَذَا فَبَيْعٌ لِلثَّمَرَةِ فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ ، فَكَيْفَ يُخَالِفُونَ النَّهْيَ ، فَلِذَا الْجَوَابُ عَنْ هَذَا كَالْجَوَابِ عَمَّا يَجُوزُ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مِنْ ابْتِيَاعِ الشَّجَرِ مَعَ ثَمَرِهِ الَّذِي لَمْ يَصْلُحْ ، وَابْتِيَاعُ الْأَرْضِ مَعَ زَرْعِهَا الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ .
وَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ ابْتِيَاعِ الْمَقَاثِي مَعَ أَنَّ بَعْضَ خُضَرِهَا لَمْ يُخْلَقْ ، وَجَوَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِطَرِيقَيْنِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 50
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٠