بِضَرْبِهِمْ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ فِيهِمْ صَائِماً ، فَقَالَ : ابْدَأُوا بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَا سَمِعْتَ قَوْله تَعَالَى : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذاً مِثْلُهُمْ } .
فَاسْتَدَلَّ عُمَرُ بِالْآيَةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ حَاضِرَ الْمُنْكَرِ مِثْلَ فَاعِلِهِ ، بَلْ إذَا كَانَ مَنْ دَعَا إلَى دَعْوَةٍ مُبَاحَةٍ كَدَعْوَةِ الْعُرْسِ لَا تُجَابُ دَعْوَتُهُ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مُنْكَرٍ حَتَّى يَدَعَهُ ، مَعَ أَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ حَقٌّ ، فَكَيْفَ بِشُهُودِ الْمُنْكَرِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ يَقْتَضِي ذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا كَانَ هَذَا مِنْ الْمَيْسِرِ ، فَكَيْفَ اسْتَجَازَهُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ .
قِيلَ لَهُ : الْمُسْتَجِيزُ لِلشِّطْرَنْجِ مِنْ السَّلَفِ بِلَا عِوَضٍ : كَالْمُسْتَجِيزِ لِلنَّرْدِ بِلَا عِوَضٍ مِنْ السَّلَفِ ، وَكِلَاهُمَا مَأْثُورٌ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ، بَلْ فِي الشِّطْرَنْجِ قَدْ تَبَيَّنَ عُذْرُ بَعْضِهِمْ كَمَا كَانَ الشَّعْبِيُّ يَلْعَبُ بِهِ لَمَّا طَلَبَهُ الْحَجَّاجُ لِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ ، رَأَى أَنْ يَلْعَبَ بِهِ لِيُفَسِّقَ نَفْسَهُ ، وَلَا يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ لِلْحَجَّاجِ ، وَرَأَى أَنْ يَحْتَمِلَ مِثْلَ هَذَا لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ إعَانَةَ مِثْلِ الْحَجَّاجِ عَلَى مَظَالِمِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ هَذَا أَعْظَمَ مَحْذُوراً عِنْدَهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاعْتِذَارُ إلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ .
ثُمَّ يُقَالُ : مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا النَّبِيذَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ مِنْ السَّلَفِ ، وَاَلَّذِينَ اسْتَحَلُّوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ مِنْ السَّلَفِ أَكْثَرُ وَأَجْمَلُ قَدْراً مِنْ هَؤُلَاءِ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرَهُمَا رَخَّصُوا فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَكَانُوا مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُمُ إلَّا فِي النِّسَاءِ لَا فِي الْيَدِ بِالْيَدِ وَكَذَلِكَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ إلَّا الْمُسْكِرَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ ، فَهَؤُلَاءِ فَهِمُوا مِنْ الْخَمْرِ نَوْعاً مِنْهُ دُونَ نَوْعٍ ، وَظَنُّوا أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِهِ ، وَشُمُولُ الْمَيْسِرِ لِأَنْوَاعِهِ كَشُمُولِ الْخَمْرِ وَالرِّبَا لِأَنْوَاعِهِمَا .
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْبَعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَئُوا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ اللَّهُ قَدْ فَعَلْت ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتْبَعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَلَا نَتْبَعُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءً ، وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُطِيعَ مَخْلُوقاً فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 473
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧٣