تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الرِّبَا أَعْظَمُ مِنْ الْقِمَارِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، لَكِنَّ الْمَيْسِرَ تُطْلَبُ بِهِ الْمُلَاعَبَةُ وَالْمُغَالَبَةُ نُهِيَ عَنْهُ فِي الْإِنْسَانِ مَعَ فَسَادِ مَالِهِ لَا لِفَسَادِ مَالِهِ ، مِثْلَ مَا فِيهِ مِنْ الصُّدُودِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ ، وَكُلٌّ مِنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فِيهِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ ، وَفِيهِ الصَّدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ الرَّبَّا وَغَيْره مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ . تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَيْسِرَ اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَتَيْنِ : مَفْسَدَةٌ فِي الْمَالِ ، وَهِيَ أَكْلُهُ بِالْبَاطِلِ . وَمَفْسَدَةٌ فِي الْعَمَلِ ؛ وَهِيَ مَا فِيهِ مِنْ مَفْسَدَةِ الْمَالِ وَفَسَادِ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ ، وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ . وَكُلٌّ مِنْ الْمَفْسَدَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةٌ بِالنَّهْيِ ، فَيُنْهَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ مُطْلَقاً ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ مَيْسِرٍ كَالرِّبَا ، وَيُنْهَى عَمَّا يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ ، وَيُوقِعُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ . وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ أَكْلِ مَالٍ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا عَظُمَ التَّحْرِيمُ ، فَيَكُونُ الْمَيْسِرُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهِمَا أَعْظَمَ مِنْ الرِّبَا ، وَلِهَذَا حَرُمَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ حَرَّمَهَا وَلَوْ كَانَ الشَّارِبُ يَتَدَاوَى بِهَا ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَحَرَّمَ بَيْعَهَا لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ أَكْلُ ثَمَنِهَا لَا يَسُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ ، وَلَا يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ ، كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِنَابِ ، فَهَكَذَا الْمَيْسِرُ مَنْهِيٌّ عَنْ هَذَا وَعَنْ هَذَا ، وَالْمُعِينُ عَلَى الْمَيْسِرِ كَالْمُعِينِ عَلَى الْخَمْرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ . وَكَمَا أَنَّ الْخَمْرَ تَحْرُمُ الْإِعَانَةُ عَلَيْهَا بِبَيْعٍ ، أَوْ عَصْرٍ ، أَوْ سَقْيٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَيْسِرِ ، كَبَائِعِ آلَاتِهِ ، وَالْمُؤَجِّرِ لَهَا ، وَالْمُذَبْذَبِ الَّذِي يُعِينُ أَحَدَهُمَا ، بَلْ مُجَرَّدُ الْحُضُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيْسِرِ كَالْحُضُورِ عِنْدَ أَهْلِ شُرْبِ الْخَمْرِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ } . وَقَدْ رُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، فَأَمَرَ