وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : إنَّ الشِّطْرَنْجَ عَلَى مَذْهَبِ الْقَدَرِ وَالنَّرْدَ عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ ، وَاشْتِغَالُ الْقَلْبِ بِالتَّفَكُّرِ فِي الشِّطْرَنْجِ أَكْثَرُ .
وَأَمَّا إذَا اشْتَمَلَ النَّرْدُ عَلَى عِوَضٍ فَالنَّرْدُ شَرٌّ وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي كَوْنِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا جَعَلُوا النَّرْدَ شَرّاً لِاسْتِشْعَارِهِمْ أَنَّ الْعِوَضَ يَكُونُ فِي النَّرْدِ دُونَ الشِّطْرَنْجِ .
وَمِنْ هُنَا تَبِينُ الشُّبْهَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْسِرَ فِي كِتَابِهِ ، وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُغَالَبَاتِ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْقِمَارِ مِنْ الْمَيْسِرِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِالشِّطْرَنْجِ ، أَوْ بِالنَّرْدِ ، أَوْ بِالْجَوْزِ ، أَوْ بِالْكِعَابِ ، أَوْ الْبَيْضِ ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْقِمَارِ فَهُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ .
فَاَلَّذِينَ لَمْ يُحَرِّمُوا الشِّطْرَنْجَ كَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ لَفْظَ الْمَيْسِرِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا مَا كَانَ قِمَاراً ، فَيَحْرُمُ لِمَا فِيهِ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، كَمَا يَحْرُمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُسَابَقَةِ .
وَالْمُنَاضَلَةِ لَوْ أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا السَّبَقَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ حَرَّمُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ قِمَارٌ .
وَفِي السُّنَنِ : عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدْخَلَ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ آمِنٌ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ } .
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ بُيُوعَ الْغَرَرِ ، لِأَنَّهَا مِنْ نَوْعِ الْقِمَارِ ، مِثْلَ : أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ الْآبِقَ ، وَالْبَعِيرَ الشَّارِدَ ، فَإِنْ وَجَدَهُ كَانَ قَدْ قَمَرَ الْبَائِعَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ قَمَرَهُ .
فَلَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذِهِ الْمُغَالَبَاتِ إنَّمَا حَرُمَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ لَمْ يُحَرِّمُوهَا إذَا خَلَتْ عَنْ الْعِوَضِ ، وَلِهَذَا طَرَدَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي النَّرْدِ فَلَمْ يُحَرِّمُوهَا إلَّا مَعَ الْعِوَضِ ، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرَ مَذْهَبِهِ تَحْرِيمُ النَّرْدِ مُطْلَقاً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِوَضٌ ، وَلِهَذَا قَالَ : أَكْرَهُهَا لِلْخَبَرِ ، فَبَيَّنَ أَنَّ مُسْتَنِدَهُ فِي ذَلِكَ الْخَبَرُ لَا الْقِيَاسُ عِنْدَهُ .
وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ إذَا حَرُمَ النَّرْدُ وَلَا عِوَضَ عَلَيْهِ فِيهَا ، فَالشِّطْرَنْجُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 459
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٩