إمَّا أَنْ يُرَاعِيَ تَرْتِيبَ الطَّبَقَاتِ فَلَا يُشْرِكُ أَوْ يَنْقُلُ نَصِيبَ الْمُتَوَفَّى إلَى وَلَدِهِ ، كَالْإِرْثِ .
أَمَّا أَنَّهُ مَعَ الشَّرِيكِ يَخُصُّ نَصِيبُ الْمُتَوَفَّى إخْوَتَهُ دُون وَلَدِهِ : فَهَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ .
وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الضَّمِيرَ مُتَرَدَّدٌ بَيْنَ عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ وَعَوْدِهِ إلَى الطَّبَقَةِ الْأَخِيرَةِ كَانَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ الْحَالِيَّةُ الْعُرْفِيَّةُ مُعَيَّنَةً لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا يَلْزَمُكُمْ إذَا أَعَدْتُمْ الضَّمِيرَ إلَى الْجَمِيعِ ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فِي أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ ، وَالتَّشْرِيكَ فِي الْبَاقِيَةِ .
فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ فِي بَقِيَّةِ الطَّبَقَاتِ مِثْلَمَا نَقُولُهُ ؟ قُلْنَا : هَذَا فِيهِ خِلَافٌ ؛ فَإِنَّ الطَّبَقَاتِ الْبَاقِيَةَ هَلْ يُشْرَكُ بَيْنَهَا عَمَلاً بِمَا تَقْتَضِيه الْوَاوُ مِنْ مُطْلَقِ التَّشْرِيكِ ، أَوْ يُرَتَّبُ بَيْنَهَا اسْتِدْلَالاً بِالتَّرْتِيبِ فِيمَا ذَكَرَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْبَاقِي ، كَمَا هُوَ مَفْهُومُ عَامَّةِ النَّاسِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ ، فَإِنَّ الْوَاوَ كَمَا أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَهِيَ لَا تَنْفِيه ، فَإِنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَجَبَ رِعَايَتُهَا .
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي هَذَا .
فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَلَا كَلَامَ .
وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ قُلْنَا أَيْضاً : فَإِنَّهُ يَقْتَضِي انْتِقَالَ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إلَى وَلَدِهِ فِي جَمِيعِ الطَّبَقَاتِ ؛ فَإِنْ نُقِلَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ إلَى ذَوِي طَبَقَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْوَقْفِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُلُهُ إلَى وَلَدِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَالتَّنْبِيهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ حَتَّى فِي شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ .
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : وَقَفْت عَلَى وَلَدِي عَلَى أَنَّهُ مَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يُعْطَى دِرْهَماً وَاحِداً فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى دِرْهَمَيْنِ بِلَا رَيْبٍ ؛ فَإِنَّهُ نَبَّهَ بِحِرْمَانِهِ الْقَلِيلَ عَلَى حِرْمَانِهِ الْكَثِيرَ ، كَذَلِكَ نَبَّهَ بِنَقْلِ نَصِيبِ الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إلَى إخْوَتِهِ عَلَى نَقْلِهِ إلَى الْوَلَدِ إذَا كَانَا مَوْجُودَيْنِ ، فَيَكُونُ مَنْعُ الْإِخْوَةِ مَعَ الْوَلَدِ مُسْتَفَاداً مِنْ التَّقْيِيدِ ، وَإِعْطَاءُ الْوَلَدِ مُسْتَفَاداً مِنْ تَنْبِيهِ الْخِطَابِ وَفَحْوَاهُ .
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ إعْطَاءَ نَصِيبِ الْمَيِّتِ لِذَوِي طَبَقَتِهِ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْوَقْفِ وَدُونَ تَخْصِيصِ الْأَقْرَبِ إلَى الْمَيِّتِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ سَبَبَ الِاخْتِصَاصِ الْقُرْبَ إلَى الْمَيِّتِ ؛ لَا الْقُرْبَ إلَى الْوَاقِفِ ، وَلَا مُطْلَقَ الِاسْتِحْقَاقِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَلَدَ عِنْدَ وُجُودِهِمْ أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ ، فَيَكُونُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِمْ أَوْكَدَ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلاً عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ إعْطَاءَهُمْ .
وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا .
الفتاوى الكبرى — صفحة 320
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٠