الْأَوْلَادِ فَأَمَّا أَنْ لَا يَصْرِفَ إلَيْهِمْ وَلَا إلَى الْأَوْلَادِ ؛ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ : عَلَى أَوْلَادِهِمْ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ أَبَداً مَا تَنَاسَلُوا .
أَوْ يَصْرِفُ إلَى الْأَوْلَادِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ يُسَلَّمُ أَنَّ الْمَفْهُومَ دَلِيلٌ ؛ لَكِنْ قَدْ عَارَضَهُ اللَّفْظُ الصَّرِيحُ أَوَّلاً ، أَوْ اللَّفْظُ الْعَامُّ : فَلَا يُتْرَكُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ لِأَجْلِ الْمَفْهُومِ .
قِيلَ : عَنْهُ أَجْوِبَةٌ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ بِحَالٍ عَلَى شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَصِيرُ دَلِيلاً إذَا تَمَّ وَقُطِعَ عَمَّا بَعْدَهُ .
أَمَّا إذَا وُصِلَ بِمَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ جُزْءاً مِنْ الدَّلِيلِ ؛ لَا دَلِيلاً .
وَجُزْءُ الدَّلِيلِ لَيْسَ هُوَ الدَّلِيلَ .
وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ يُعَارِضُ آخِرُهُ الْمُقَيَّدُ أَوَّلَهُ الْمُطْلَقُ فَمَا دَرَى أَيَّ شَيْءٍ هُوَ تَعَارُضُ الدَّلِيلَيْنِ ؟ ، الثَّانِي : أَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ لَوْ فُرِضَ تَمَامُهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ .
كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنَيَيْنِ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ عَامّاً فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّا لَا نَخُصُّهُ ، بَلْ نُبْقِيه عَلَى عُمُومِهِ : وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي صِفَةِ عُمُومِهِ ؛ بَلْ مَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فِي عُمُومِهِ ؛ لِأَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ يَأْخُذُ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ أَعْمَامِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ .
وَعَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ إنَّمَا يَأْخُذُ فِي حَيَاتِهِمْ فَقَطْ .
وَاللَّفْظُ الْمُتَنَاوِلُ لَهُمْ فِي حَالَيْنِ أَعَمُّ فِي الْمُتَنَاوَلِ لَهُمْ فِي أَحَدِهِمَا .
الثَّالِثُ : لَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَعَارُضِ الْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ فَالصَّوَابُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَفْهُومِ يُقَدَّمُ عَلَى الْعُمُومِ ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَقَدْ حَكَاهُ بَعْضُ النَّاسِ إجْمَاعاً مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ دَلِيلٌ خَاصٌّ ، وَالدَّلِيلُ الْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ .
وَلَا عِبْرَةَ بِالْخِلَافِ فِي الْمَفْهُومِ ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ ؛ مَعَ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ فِي الْقِيَاسِ قَرِيبُونَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي الْمَفْهُومِ ؛ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ يُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الْكِتَابِ ؛ مَعَ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُخَالِفِينَ عُمُومَ الْكِتَابِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ .
عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ مَنْ تَقَدَّمَ ؛ وَهَذَا مَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ مَنْ قَالَ : إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي شُرُوطِ الْوَاقِفِ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلاً مَعْطُوفَةً وَإِذَا كَانَ الضَّمِيرُ عَائِداً إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَتَبْقَى الْجُمَلُ الْأُولَى عَلَى تَرْتِيبهَا ؟
الفتاوى الكبرى — صفحة 317
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٧