تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً : لَا يَجُوزُ ثُمَّ بَلَغَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَرَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ بِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَداً يَعْدِلُ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَهُ قَوْلَيْنِ ، وَأَنَّ الْجَوَازَ هُوَ الْقَدِيمُ حَتَّى مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ بِصِفَةٍ وَبِغَيْرِ صِفَةٍ ، مُتَأَوِّلاً أَنَّ الْغَائِبَ غَرَرٌ وَإِنْ وُصِفَ ، وَحَتَّى اشْتَرَطَ فِيهَا فِي الذِّمَّةِ لِدَيْنِ السَّلَمِ مِنْ الصِّفَاتِ وَضَبْطِهَا مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ غَيْرُهُ ؛ وَلِهَذَا يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ عَلَى النَّاسِ الْمُعَامَلَةُ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَقَاسَ عَلَى بَيْعِ الْغَرَرِ جَمِيعَ الْعُقُودِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَالْمُعَاوَضَاتِ ، فَاشْتَرَطَ فِي أُجْرَةِ الْأَجِيرِ الْمَشْهُورِ ، وَفِدْيَةِ الْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ ، وَصُلْحِ أَهْلِ الْهُدْنَةِ ، وَجِزْيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَا يَشْتَرِطُهُ فِي الْبَيْعِ عَيْناً وَدَيْناً ، وَلَمْ يُجَوِّزْ فِي ذَلِكَ جِنْساً وَقَدْراً وَصِفَةً إلَّا مَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعُقُودُ لَا تَبْطُلُ بِفَسَادِ أَعْوَاضِهَا ، أَوْ يَشْتَرِطُ لَهَا شُرُوطاً أُخْرَى . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِ فِي الْقِشْرِ ، وَيُجَوِّزُ إجَارَةُ الْأَجِيرِ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ ، وَيُجَوِّزُ أَنْ تَكُونَ جَهَالَةُ الْمَهْلِ كَجَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَيُجَوِّزُ بَيْعَ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ بِلَا صِفَةٍ مَعَ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَهَالَةً ، لَكِنَّهُ قَدْ يُحَرِّمُ الْمُسَاقَاةَ ، وَالْمُزَارَعَةَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ مُطْلَقاً ، وَالشَّافِعِيُّ يُجَوِّزُ بَعْضَ ذَلِكَ وَيُحَرِّمُ أَيْضاً كَثِيراً مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ مُطْلَقَ الْعَقْدِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ بَعْضَ ذَلِكَ وَيُجَوِّزُ مِنْ الْوَكَالَاتِ وَالشَّرِكَاتِ مَا لَا يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِيُّ ، حَتَّى جَوَّزَ شَرِكَةَ الْمُعَاوَضَةِ وَالْوَكَالَةِ بِالْمَجْهُولِ الْمُطْلَقِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ لَمْ تَكُنْ شَرِكَةُ الْمُعَاوَضَةِ بَاطِلاً فَلَا أَعْلَمُ شَيْئاً بَاطِلاً ، فَبَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ ، لَكِنْ أُصُولُ الشَّافِعِيِّ الْمُحَرَّمَةُ أَكْثَرُ مِنْ أُصُولِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَأَمَّا مَالِكٌ فَمَذْهَبُهُ أَحْسَنُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا ، فَيَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَجَمِيعِ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ ، أَوْ يَقِلُّ غَرَرُهُ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ فِي الْعُقُودِ ، حَيْثُ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمَقَاثِي جُمْلَةً ، وَبَيْعَ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ : كَالْجَزَرِ ، وَالْفُجْلِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَحْمَدُ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَيُجَوِّزُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ عَبْداً مُطْلَقاً ، وَعَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَا تَزِيدُ جَهَالَتُهُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ يُجَوِّزُ الْمُبْهَمَ دُونَ الْمُطْلَقِ ، كَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَافِقُ الشَّافِعِيَّ ، فَلَا يُجَوِّزُ فِي الْمَهْرِ وَفِدْيَةِ الْخُلْعِ وَنَحْوِهِمَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ ،