تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وَالْمُضَارَبَةُ شَرِكَةُ عُقُودٍ بِالْإِجْمَاعِ لَيْسَتْ شَرِكَةَ أَمْلَاكٍ ، إذْ الْمَالُ لِأَحَدِهِمَا ، وَالْعَمَلُ لِلْآخَرِ ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ ، وَأَنَّهَا خِلَافُ الْقِيَاسِ ، فَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ ، وَهِيَ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ لَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ الْخَاصَّةِ ، وَهِيَ عَلَى وَفْقِ قِيَاسِ الْمُشَارَكَاتِ . وَلَمَّا كَانَ مَبْنَى الشَّرِكَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَنَازَعُوا فِي الشَّرِكَةِ فِي اكْتِسَابِ الْمُبَاحَاتِ ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّوَكُّلِ فِيهَا ، فَجَوَّزَ ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ سَعْدٍ ، وَعَمَّارٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ . وَقَدْ يُقَالُ : هَذِهِ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي إذَا تَشَارَكَا فِيمَا يُؤَجِّرَانِ فِيهِ أَبْدَانَهُمَا وَدَابَّتَيْهِمَا إجَارَةً خَاصَّةً ، فَفِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ قَوْلَانِ مُرَتَّبَانِ : وَالْبُطْلَانُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ : كَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَالْقَاضِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ . وَقَالَ : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الضَّمَانُ بِذَلِكَ الِاشْتِرَاكِ عَلَى كَسْبِ الْمُبَاحِ ، كَالِاصْطِيَادِ ، وَالِاحْتِطَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدِهِمَا مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي وَجَبَ عَلَى الْآخَرِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي نِتَاجِ مَاشِيَتِهِمَا وَتُرَاثِ بَسَاتِينِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَمَنْ جَوَّزَهُ قَالَ : هُوَ مِثْلُ الِاشْتِرَاكِ فِي اكْتِسَابِ الْمُبَاحَاتِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ هُنَاكَ فِي ذِمَّةِ أَحَدِهِمَا عَمَلٌ ، وَلَكِنْ بِالشَّرِكَةِ صَارَ مَا يَعْمَلُهُ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ شَرِيكِهِ ، وَكَذَلِكَ هُنَا مَا يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْأُجْرَةِ ، أَوْ شُرِطَ لَهُ مِنْ الْجُعْلِ هُوَ لَهُ وَلِشَرِيكِهِ ، وَالْعَمَلُ الَّذِي يَعْمَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ شَرِيكِهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ شَرِكَةَ الْعِنَانِ مَعَ عَدَمِ اخْتِلَاطِ الْمَالَيْنِ ، وَمَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ، إلَّا شَرْطاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلَالاً } وَأَظُنُّ هَذَا قَوْلَ مَالِكٍ . وَأَمَّا اشْتِرَاكُ الشُّهُودِ فَقَدْ يُقَالُ مِنْ مَسْأَلَةِ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ الَّتِي تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا ،