نَوْعٌ مِنْ الظُّلْمِ ، فَفِي بَيْعِ الْغَرَرِ ظُلْمٌ وَعَدَاوَةٌ وَبَغْضَاءُ ، وَمِنْ نَوْعِ الْغَرَرِ مَا نَهَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَالْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ ، وَهُنَّ بَيْعُ اللَّبَنِ ، وَبَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَبَيْعُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الرِّبَا فَتَحْرِيمُهُ فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ وَلِهَذَا قَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَبَائِرِ كَمَا خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى الَّذِينَ هَادُوا طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ، بِظُلْمِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ، وَكِلَاهُمَا أَمْرٌ مُجَرَّبٌ عِنْدَ النَّاسِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الرِّبَا أَصْلٌ إنَّمَا يَفْعَلُهُ الْمُحْتَاجُ وَإِلَّا فَالْمُوسِرُ لَا يَأْخُذُ أَلْفاً حَالَّةً بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ مُؤَجَّلَةٍ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ بِتِلْكَ الْأَلْفِ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْمَالَ بِمِثْلِهِ وَزِيَادَةٍ إلَى أَجَلِ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ ، فَتَقَعُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ ظُلْماً لِمُحْتَاجٍ بِخِلَافِ الْمَيْسِرِ .
فَإِنَّ الْمَظْلُومَ فِيهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ وَلَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَقْدِ ، وَقَدْ يَخْلُو بَعْضُ صُوَرِهِ عَنْ الظُّلْمِ إذَا وُجِدَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْمُتَّبَعُ عَلَى الصِّيغَةِ الَّتِي ظَنَّاهَا ، وَالرِّبَا فِيهِ ظُلْمٌ مُحَقَّقٌ لِمُحْتَاجٍ ، وَلِهَذَا كَانَ ضِدَّ الصَّدَقَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَدَعْ الْأَغْنِيَاءَ حَتَّى أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إعْطَاءَ الْفُقَرَاءِ ، فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ ، فَإِذَا أَرْبَى مَعَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَمَنَعَهُ دَيْنَهُ ، وَظُلْمُهُ زِيَادَةٌ أُخْرَى ، وَالْغَرِيمُ مُحْتَاجٌ إلَى دَيْنِهِ ، فَهُوَ مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ ، وَلِعَظَمَتِهِ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَهُ وَهُوَ الْآخِذُ ، وَمُوَكِّلُهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ الْمُعْطِي لِلزِّيَادَةِ ، وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ لِإِعَانَتِهِمْ عَلَيْهِ .
ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ أَشْيَاءَ مِنْهَا مَا يَخْفَى فِيهَا الْفَسَادُ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْفَسَادِ الْمُحَقَّقِ ، كَمَا حَرَّمَ قَلِيلَ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا ، مِثْلُ : رِبَا الْفَضْلِ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ قَدْ تَخْفَى إذْ عَاقِلٌ لَا يَبِيعُ دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ إلَّا لِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ ، مِثْلُ كَوْنِ الدِّرْهَمِ صَحِيحاً ، وَالدِّرْهَمَيْنِ مَكْسُورَيْنِ ، أَوْ كَوْنِ الدِّرْهَمِ مَصُوغاً أَوْ مِنْ نَقْدٍ نَافِقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 17
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧