الْحَرَجِ الدَّاخِلِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وَمِنْ الْعُسْرِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } وَأَيْضاً فَإِذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ فِعْلَ بِرٍّ وَإِحْسَانٍ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا ، فَإِنَّهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ فِي الطَّلَاقِ أَعْظَمُ لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ شَرْعاً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْفَسَادُ النَّاشِئُ مِنْ الطَّلَاقِ أَعْظَمَ مِنْ الصَّلَاحِ الْحَاصِلِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ .
وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ هِيَ الَّتِي أَزَالَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ } .
وَقَوْلُهُ : { لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ الْكَفَّارَةَ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الضَّرَائِرِ الثَّلَاثِ ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِفَ .
قِيلَ : لَيْسَ فِي شَرِيعَتِنَا ذَنْبٌ إذَا فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا بِضَرَرٍ عَظِيمٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، فَهَبْ هَذَا قَدْ أَتَى كَبِيرَةً مِنْ الْكَبَائِرِ فِي حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ تَابَ مِنْ تِلْكَ الْكَبِيرَةِ ، فَكَيْفَ يُنَاسِبُ أُصُولَ شَرِيعَتِنَا أَنْ تَنْفِيَ ضَرَرَ ذَلِكَ الذَّنْبِ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ مِنْهُ مَخْرَجاً ، وَهَذَا بِخِلَافِ الَّذِي يُنْشِئُ الطَّلَاقَ لَا بِالْحَلِفِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا هُوَ مُرِيدٌ لِلطَّلَاقِ إمَّا لِكَرَاهَةِ الْمَرْأَةِ أَوْ غَضَبٍ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ثَلَاثاً ، فَإِذَا كَانَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِالطَّلَاقِ بِاخْتِيَارِهِ ، وَلَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَانَ وُقُوعُ الضَّرَرِ بِمِثْلِ هَذَا نَادِراً بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ لَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَفْعَلُهُ ثُمَّ قَدْ يَأْمُرُهُ الشَّرْعُ أَوْ يَضْطَرُّهُ الْحَاجَةُ إلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ ، فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ لَا لَهُ وَلَا لِسَبَبِهِ ، وَأَيْضاً فَإِنَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً فِي بَابِ الْأَيْمَانِ تَخْفِيفُهَا بِالْكَفَّارَةِ لَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 147
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٧