تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وَقَالَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ } . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ . وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَدْ اسْتَحْسَنُوا جَوَابَ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ، وَلَيَطَأَنَّ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَقَالَ : يُطَلِّقُهَا وَلَا يَطَؤُهَا قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ الطَّلَاقَ وَحَرَّمَ وَطْءَ الْحَائِضِ ، وَهَذَا الِاسْتِحْسَانُ يَتَوَجَّهُ عَلَى أَصْلَيْنِ إمَّا عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ دُونَ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ كِلَاهُمَا حَرَاماً لَمْ يَخْرُجْ مِنْ حَرَامٍ إلَّا إلَى حَرَامٌ ، وَأَمَّا ضَرَرُ الدُّنْيَا فَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ ، فَإِنَّ لُزُومَ الطَّلَاقِ الْمَحْلُوفِ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ يُوجِبُ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَمْ تَأْتِ بِهِ الشَّرِيعَةُ فِي مِثْلِ هَذَا قَطُّ . فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ تَكُونُ فِي صُحْبَةِ زَوْجِهَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ سِنِينَ كَثِيرَةً ، وَهِيَ مَتَاعُهُ الَّذِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ : { الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الْمُؤْمِنَةُ ، إنْ نَظَرْت إلَيْهَا أَعْجَبَتْك وَإِنْ أَمَرْتهَا أَطَاعَتْك وَإِنْ غِبْت عَنْهَا حَفِظَتْك فِي نَفْسِهَا وَمَالِك } . وَهِيَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ فِي قَوْلِهِ لَمَّا سَأَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ أَيُّ الْمَالِ نَتَّخِذُ فَقَالَ : { لِسَاناً ذَاكِراً وَقَلْباً شَاكِراً أَوْ امْرَأَةً صَالِحَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى إيمَانِهِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ ثَوْبَانَ . وَيَكُونُ مِنْهَا مِنْ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ مَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي كِتَابِهِ ، فَيَكُونُ أَلَمُ الْفِرَاقِ أَشَدَّ عَلَيْهَا مِنْ الْمَوْتِ أَحْيَاناً وَأَشَدَّ مِنْ ذَهَابِ الْمَالِ وَأَشَدَّ مِنْ فِرَاقِ الْأَوْطَانِ ، خُصُوصاً إنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا عَلَاقَةٌ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَطْفَالٌ يَضِيعُونَ بِالْفِرَاقِ وَيَفْسُدُ حَالُهُمْ ، ثُمَّ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى الْقَطِيعَةِ بَيْنَ أَقَارِبِهَا وَوَقَعَ الشَّرُّ لَمَّا زَالَتْ نِعْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي قَوْلِهِ { فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ