تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وَالْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إذَا خَرَّجُوا عَلَى قَوْلِ عَالِمٍ لَوَازِمَ قَوْلِهِ وَقِيَاسِهِ ، فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ اللَّازِمِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ أَوْ نَصَّ عَلَى نَفْيِهِ ، وَإِذَا نَصَّ عَلَى نَفْيِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نُصَّ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهِ أَوْ لَمْ يَنُصَّ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ نَصَّ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ اللَّازِمِ وَخَرَّجُوا عَنْهُ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَنُصَّ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، أَوْ يُعَلِّلَ مَسْأَلَةً بِعِلَّةٍ يَنْقُضُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، كَمَا عَلَّلَ أَحْمَدُ هُنَا عَدَمَ التَّكْفِيرِ بِعَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَعَنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ رِوَايَتَانِ ، فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَخْرِيجِ مَا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ ، هَلْ يُسَمَّى ذَلِكَ مَذْهَباً أَوْ لَا يُسَمَّى . وَلِأَصْحَابِنَا فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، فَالْأَثْرَمُ وَالْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَجْعَلُونَهُ مَذْهَباً لَهُ ، وَالْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجْعَلُونَهُ مَذْهَباً لَهُمَا ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ وَلَازِمُ قَوْلِهِ فَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ ، وَلَا أَيْضاً بِمَنْزِلَةِ مَا لَيْسَ بِلَازِمِ قَوْلِهِ بَلْ هُوَ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ ، هَذَا حَيْثُ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ وَأَيْضاً فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ الطَّلَاقَ مُبِيحاً لَهُ أَوْ آمِراً بِهِ أَوْ مُلْزِماً لَهُ إذَا أَوْقَعَهُ صَاحِبُهُ ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَكَذَلِكَ النَّذْرُ وَهَذِهِ الْعُقُودُ مِنْ النَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَقْتَضِي وُجُوبَ أَشْيَاءَ عَلَى الْعَبْدِ ، أَوْ تَحْرِيمَ أَشْيَاءَ عَلَيْهِ . وَالْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ إذَا قَصَدَهُ أَوْ قَصَدَ سَبَبَهُ ، فَإِنَّهُ لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ هَذَا الْكَلَامُ لِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ مُكْرَهاً لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَآثَارُ الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ إنَّمَا هُوَ دَفْعُ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ لَمْ يَقْصِدْ حُكْمَهَا وَلَا قَصَدَ التَّكَلُّمَ بِهَا ابْتِدَاءً ، فَكَذَلِكَ الْحَالِفُ إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الطَّلَاقُ لَيْسَ يَقْصِدُ الْتِزَامَ حَجٍّ وَلَا طَلَاقٍ ، وَلَا تَكَلُّمٍ بِمَا يُوجِبُهُ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا قَصْدُهُ الْحَضُّ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنْهُ ، كَمَا أَنَّ قَصْدَ الْمُكْرَهِ دَفْعُ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ ، عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَضِّ وَالْمَنْعِ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَهَذَا لِي لَازِمٌ أَوْ هَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ لِشِدَّةِ امْتِنَاعِهِ مِنْ هَذَا اللُّزُومِ وَالتَّحْرِيمِ عُلِّقَ ذَلِكَ بِهِ ، فَقَصْدُهُ مِنْهُمَا جَمِيعاً لَا ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا وَلَا ثُبُوتُ سَبَبِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَاصِداً لِلْحُكْمِ وَلَا لِسَبَبِهِ إنَّمَا قَصْدُهُ عَدَمُ الْحُكْمِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَلْزَمَهُ الْحُكْمُ ، وَأَيْضاً فَإِنَّ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ بِهَا عَلَى عَهْدِ قُدَمَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرُوهَا فِي أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَصَدَقَةِ الْمَالِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَلَمْ أَقِفْ إلَى السَّاعَةِ