فَإِنْ قِيلَ : فَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ أَهْلُ الْقَوْلِ الْآخَرِ .
قِيلَ : هَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا } هَذَا خِطَابٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ لَفْظٌ مُذَكَّرٌ ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالذُّكُورِ ، أَوْ مُتَنَاوِلٌ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِ .
فَإِنْ كَانَ مُخْتَصّاً بِهِمْ فَلَا ذِكْرَ لِلنِّسَاءِ ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَاوِلاً لِغَيْرِهِمْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ عَامّاً ، وَقَوْلُهُ : { لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ } خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : { لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ } فَاَلَّذِي يَتَّخِذُونَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ ، سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُوراً أَوْ إنَاثاً ، وَأَمَّا الَّذِينَ يَزُورُونَ فَإِنَّمَا لَعَنَ النِّسَاءَ الزَّوَّارَاتِ دُونَ الرِّجَالِ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا خَاصّاً وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الرُّخْصَةِ كَانَ مُتَقَدِّماً عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، كَذَلِكَ لَوْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهَا .
وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ } فَهَذَا عَامٌّ وَالنِّسَاءُ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : { سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي نُشَيِّعُ مَيِّتاً ، فَلَمَّا فَرَغْنَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ ، فَلَمَّا تَوَسَّطْنَا الطَّرِيقَ إذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ ، فَلَمَّا دَنَتْ إذَا هِيَ فَاطِمَةُ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَخْرَجَك يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِك ؟ ، قَالَتْ : أَتَيْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَعَزَّيْنَاهُمْ بِمَيِّتِهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى ، أَمَا إنَّك لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى مَا رَأَيْت الْجَنَّةَ ، حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيك } رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَدْ فَسَّرَ " الْكُدَى " بِالْقُبُورِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
393 - 33 - سُئِلَ : هَلْ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ كَلَامَ زَائِرِهِ ، وَيَرَى شَخْصَهُ ؟ وَهَلْ تُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَمْ تَكُونُ تُرَفْرِفُ عَلَى قَبْرِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ ؟ وَهَلْ تَصِلُ إلَيْهِ الْقِرَاءَةُ وَالصَّدَقَةُ مِنْ نَاحِلِيهِ وَغَيْرِهِمْ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ عَنْهُ وَغَيْرِهِ ؟ وَهَلْ تُجْمَعُ رُوحُهُ مَعَ أَرْوَاحِ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مَدْفُوناً قَرِيباً مِنْهُمْ أَوْ بَعِيداً ؟ وَهَلْ تُنْقَلُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ يَكُونُ بَدَنُهُ إذَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 60
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٠