وَيُرَقِّقُ الْقَلْبَ ، وَيُدْمِعُ الْعَيْنَ ، هَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا فُتِحَ لَهَا هَذَا الْبَابُ أَخْرَجَهَا إلَى الْجَزَعِ وَالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ ، لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّعْفِ ، وَكَثْرَةِ الْجَزَعِ ، وَقِلَّةِ الصَّبْرِ .
وَأَيْضاً فَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَأَذِّي الْمَيِّتِ بِبُكَائِهَا ، وَلِافْتِتَانِ الرِّجَالِ بِصَوْتِهَا ، وَصُورَتِهَا .
كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : { فَإِنَّكُنَّ تَفْتُنَّ الْحَيَّ ، وَتُؤْذِينَ الْمَيِّتَ } وَإِذَا كَانَتْ زِيَارَةُ النِّسَاءِ مَظِنَّةً وَسَبَباً لِلْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي حَقِّهِنَّ ، وَحَقِّ الرِّجَالِ ، وَالْحِكْمَةُ هُنَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ ، وَلَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ .
وَمِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْحِكْمَةَ إذَا كَانَتْ خَفِيَّةً ، أَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرَةٍ عُلِّقَ الْحُكْمُ بِمَظِنَّتِهَا ، فَيَحْرُمُ هَذَا الْبَابُ سَدّاً لِلذَّرِيعَةِ ، كَمَا حَرُمَ النَّظَرُ إلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفِتْنَةِ ، وَكَمَا حَرُمَ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّظَرِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَا يُعَارِضُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا دُعَاؤُهَا لِلْمَيِّتِ ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي بَيْتِهَا .
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : إذَا عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهَا إذَا زَارَتْ الْمَقْبَرَةَ بَدَا مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، لَمْ تَجُزْ لَهَا الزِّيَارَةُ بِلَا نِزَاعٍ .
فَصْلٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلَيْسَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا صَحِيحٌ ، وَلَا رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ ، كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَلَا أَهْلُ الْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ ، كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَنَحْوِهِ ، وَلَا أَهْلُ الْمُصَنَّفَاتِ كَمُوَطَّأِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ شَيْئاً .
بَلْ عَامَّةُ مَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ مَوْضُوعَةٌ .
كَمَا يُرْوَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ، كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي ، فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي ، وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ، فَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ .
أَوْ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ، مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِرِوَايَتِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 57
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٧