الْفَاطِمِيِّ ؛ فَإِنَّ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَقَارِبِ النَّبِيِّ الْقَائِمِينَ بِالْخِلَافَةِ فِي أُمَّتِهِ لَا تَكُونُ مُعَادَاتُهُ لِدِينِهِ كَمُعَادَاةِ هَؤُلَاءِ ؛ فَلَمْ يُعْرَفْ فِي بَنِي هَاشِمٍ ، وَلَا وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ ، وَلَا بَنِي أُمَيَّةَ : مَنْ كَانَ خَلِيفَةً وَهُوَ مُعَادٍ لِدِينِ الْإِسْلَامِ ؛ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعَادِياً كَمُعَادَاةِ هَؤُلَاءِ ؛ بَلْ أَوْلَادُ الْمُلُوكِ الَّذِينَ لَا دِينَ لَهُمْ فَيَكُونُ فِيهِمْ نَوْعُ حَمِيَّةٍ لِدِينِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ كَيْفَ يُعَادِي دِينَهُ هَذِهِ الْمُعَادَاةَ ؛ وَلِهَذَا نَجِدُ جَمِيعَ الْمَأْمُونِينَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِناً وَظَاهِراً مُعَادِينَ لِهَؤُلَاءِ ، إلَّا مَنْ هُوَ زِنْدِيقٌ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَوْ جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ مَا بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ .
وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِمْ .
وَكَذِبِهِمْ فِي نَسَبِهِمْ .
فَصْلٌ وَأَمَّا سُؤَالُ الْقَائِلِ " إنَّهُمْ أَصْحَابُ الْعِلْمِ الْبَاطِنِ " فَدَعْوَاهُمْ الَّتِي ادَّعُوهَا مِنْ الْعِلْمِ الْبَاطِنِ هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ وَدَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُمْ زَنَادِقَةٌ مُنَافِقُونَ ؛ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ ، وَلَا بِرَسُولِهِ ، وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ الْبَاطِنَ الَّذِي ادَّعُوهُ هُوَ كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ؛ بَلْ أَكْثَرُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ أَيْضاً ؛ فَإِنَّ مَضْمُونَهُ أَنَّ لِلْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ بَوَاطِنَ تُخَالِفُ الْمَعْلُومَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَوَامِرِ ، وَالنَّوَاهِي ، وَالْأَخْبَارِ .
أَمَّا " الْأَوَامِرُ " فَإِنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ مُحَمَّداً أَمَرَهُمْ بِالصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ ، وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ .
وَأَمَّا " النَّوَاهِي " فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأَثِمَ ، وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَأَنْ يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ، وَأَنْ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ ، كَمَا حَرَّمَ الْخَمْرَ ، وَنِكَاحَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، وَالرِّبَا وَالْمَيْسِرَ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ .
فَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلَكِنْ لِهَذَا بَاطِنٌ يَعْلَمُهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْإِسْمَاعِيلِيَّة ، الَّذِينَ انْتَسَبُوا إلَى مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ ، وَأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْعِلْمِ الْبَاطِنِ ، كَقَوْلِهِمْ : " الصَّلَاةُ " مَعْرِفَةُ أَسْرَارِنَا ؛ لَا هَذِهِ الصَّلَوَاتُ ذَاتُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ .
" وَالصِّيَامُ " كِتْمَانُ أَسْرَارِنَا لَيْسَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنِّكَاحِ .
" وَالْحَجُّ " زِيَارَةُ شُيُوخِنَا الْمُقَدَّسِينَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 495
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩٥