يُخَالِفُ سَائِرٌ أَهْلِ الْعِلْمِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ، وَلَوْ كَانُوا مَعْصُومِينَ لَكَانَتْ مُخَالَفَةُ الْمَعْصُومِ لِلْمَعْصُومِ مُمْتَنِعَةٌ .
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ ، فِي أَمْرِ الْقِتَالِ يُخَالِفُ أَبَاهُ وَيَكْرَهُ كَثِيراً مِمَّا يَفْعَلُهُ ، وَيَرْجِعُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ إلَى رَأْيِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ :
لَئِنْ عَجَزْت عَجْزَةً لَا أَعْتَذِرْ * سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرَّ
وَأَجْبُرُ الرَّأْيَ النَّسِيبَ الْمُنْتَشِرَ
وَتَبَيَّنَ لَهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ أَنْ لَوْ فَعَلَ غَيْرَ الَّذِي كَانَ فَعَلَهُ لَكَانَ هُوَ الْأَصْوَبُ وَلَهُ فَتَاوَى رَجَعَ بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ ، كَقَوْلِهِ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، فَإِنَّ لَهُ فِيهَا قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِنَّ .
وَالثَّانِي : إبَاحَةُ ذَلِكَ وَالْمَعْصُومُ لَا يَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخاً لِلْآخَرِ ، كَمَا فِي { قَوْلِ النَّبِيِّ السُّنَّةُ اسْتَقَرَّتْ } فَلَا يَرِدُ عَلَيْهَا بَعْدَهُ نَسْخٌ إذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ .
وَقَدْ وَصَّى الْحَسَنُ أَخَاهُ الْحُسَيْنَ بِأَنْ لَا يُطِيعَ أَهْلَ الْعِرَاقِ ، وَلَا يَطْلُبَ هَذَا الْأَمْرَ ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ يَتَوَلَّاهُ وَيُحِبُّهُ وَرَأَوْا أَنَّ مَصْلَحَتَهُ وَمَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَذْهَبَ إلَيْهِمْ ، لَا يُجِيبُهُمْ إلَى مَا قَالُوهُ مِنْ الْمَجِيءِ إلَيْهِمْ وَالْقِتَالِ مَعَهُمْ ؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً ، وَالرَّأْيُ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ .
وَالْمَعْصُومُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ ؛ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ مَعْصُوماً آخَرَ ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَا عَلَى شَرِيعَتَيْنِ ، كَالرَّسُولَيْنِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرِيعَتَهُمَا وَاحِدَةٌ .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى عِصْمَةَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ ، الْمَشْهُورِ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْجَنَّةِ ؛ هُوَ فِي غَايَةِ الضَّلَالِ وَالْجَهَالَةِ ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْقَوْلَ مَنْ لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ ؛ بَلْ وَلَا مَنْ لَهُ عَقْلٌ مَحْمُودٌ .
فَكَيْفَ تَكُونُ الْعِصْمَةُ فِي ذُرِّيَّةِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ " مَعَ شُهْرَةِ النِّفَاقِ وَالْكَذِبِ وَالضَّلَالِ ؟ ، وَهَبْ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ : فَلَا رَيْبَ أَنَّ سِيرَتَهُمْ مِنْ سِيرَةِ الْمُلُوكِ ، وَأَكْثَرُهَا ظُلْماً وَانْتِهَاكاً لِلْمُحَرَّمَاتِ ، وَأَبْعَدُهَا عَنْ إقَامَةِ الْأُمُورِ وَالْوَاجِبَاتِ ، وَأَعْظَمُ إظْهَاراً لِلْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِعَانَةً لِأَهْلِ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ .