إلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحِ تَحْلِيلٍ ، وَكَانَ إنَّمَا يُفْعَلُ سِرّاً ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ؛ وَشَاهِدَيْهِ ، وَكَاتِبَهُ وَلَعَنَ الْمُحَلِّلَ ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
{ وَلَعَنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا : الْآخِذَ ، وَالْمُعْطِيَ ، وَالشَّاهِدَيْنِ ، وَالْكَاتِبَ } ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ يُكْتَبُ وَيُشْهَدُ عَلَيْهِ ، وَلَعَنَ فِي التَّحْلِيلِ : الْمُحَلِّلَ ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ، وَلَمْ يَلْعَنْ الشَّاهِدَيْنِ وَالْكَاتِبَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ تُكْتَبُ الصَّدَاقَاتُ فِي كِتَابٍ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ الصَّدَاقَ فِي الْعَادَةِ الْعَامَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَا يَبْقَى دِينَارٌ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى كِتَابٍ وَشُهُودٍ ، وَكَانَ الْمُحَلِّلُ يَكْتُمُ ذَلِكَ هُوَ وَالزَّوْجُ الْمُحَلَّلُ لَهُ .
وَالْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالشُّهُودُ لَا يَدْرُونَ بِذَلِكَ .
{ وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } إذْ كَانُوا هُمْ الَّذِينَ فَعَلُوا الْمُحَرَّمَ ؛ دُونَ هَؤُلَاءِ .
وَالتَّحْلِيلُ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي الْأَمْرِ الْغَالِبِ ، إذْ كَانَ الرَّجُلُ إنَّمَا يَقَعُ مِنْهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ إذَا طَلَّقَ بَعْدَ رَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ فَلَا يَنْدَمُ بَعْدَ الثَّلَاثِ إلَّا نَادِرٌ مِنْ النَّاسِ ؛ وَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ عِصْيَانِهِ وَتَعَدِّيهِ لِحُدُودِ اللَّهِ فَيَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ ، فَيَلْعَنُ مَنْ يَقْصِدُ تَحْلِيلَ الْمَرْأَةِ لَهُ ؛ وَيَلْعَنُ هَؤُلَاءِ أَيْضاً : لِأَنَّهُمَا تَعَاوَنَا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .
فَلَمَّا حَدَثَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، أَنَّ الْحَانِثَ يَلْزَمُهُ مَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ ، وَلَا تُجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ يَلْزَمُ ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ يَقَعُ وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ يَقَعُ .
وَكَانَ بَعْضُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الصَّحَابَةُ ؛ وَبَعْضُهَا مِمَّا قِيلَ بَعْدَهُمْ : كَثُرَ اعْتِقَادُ النَّاسِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، مَعَ مَا يَقَعُ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ وَالْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِمُفَارَقَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ ، فَصَارَ الْمُلْزِمُونَ بِالطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا حِزْبَيْنِ : حِزْباً : اتَّبَعُوا مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ فِي تَحْرِيمِ التَّحْلِيلِ ، فَحَرَّمُوا هَذَا مَعَ تَحْرِيمِهِمْ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ ، فَصَارَ فِي قَوْلِهِمْ مِنْ الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ وَالْحَرَجِ الْعَظِيمِ الْمُفْضِي إلَى مَفَاسِدَ عَظِيمَةٍ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا .
أُمُورٌ ، مِنْهَا ، رِدَّةُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمَّا أَفْتَى بِلُزُومِ مَا الْتَزَمَهُ .
وَمِنْهَا سَفْكُ الدَّمِ الْمَعْصُومِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 299
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٩