تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وَغَيْرِهِمَا : هَذَا فِي الرَّجْعِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ ؟ ، وَفُقَهَاءُ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ مَعَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ . وَكَذَلِكَ أَيْضاً فِي : " الطَّلَاقِ " ، لَمَّا قَالَ تَعَالَى : { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ شَرَعَ إيقَاعَ الثَّلَاثِ عَلَيْهِ لَكَانَ الْمُطَلِّقُ يَنْدَمُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى رَجْعَتِهَا : فَيَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ بِذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ ، وَنَهَاهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى أَيْضاً بَعْدَ ذَلِكَ : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } . وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ؛ لَا يَكُونُ فِي الثَّلَاثِ ، وَلَا فِي الْبَائِنِ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ } . فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ ؛ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهَا مَأْمُورٌ بِهِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ ، قِيلَ : أَمْرَ إيجَابٍ . وَقِيلَ : أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ . وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ : أَنَّ الْإِشْهَادَ هُوَ الطَّلَاقُ ، وَظَنَّ أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ لَا يَقَعُ . وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ، وَخِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِهِ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ أُذِنَ فِيهِ أَوَّلاً ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالْإِشْهَادِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ حِينَ قَالَ : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } . وَالْمُرَادُ هُنَا بِالْمُفَارَقَةِ : تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا إذَا قَضَتْ الْعِدَّةَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَا بِرَجْعَةٍ وَلَا نِكَاحٍ . وَالْإِشْهَادُ فِي هَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْإِشْهَادَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الرَّجْعَةِ . وَمِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ : أَنَّهُ قَدْ يُطَلِّقُهَا وَيَرْتَجِعُهَا ، فَيُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطَانُ كِتْمَانَ ذَلِكَ حَتَّى يُطَلِّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقاً مُحَرَّماً وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ ، فَتَكُونُ مَعَهُ حَرَاماً ، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَتْ بِهِ طَلْقَةٌ ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ وَجَدَ اللُّقَطَةَ أَنْ يُشْهِدَ