يُطَلِّقَهَا ، فَإِنَّهُ يُطَلِّقُهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِذَا طَلَّقَهَا الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ وَرَسُولُهُ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تُبَاحُ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ النِّكَاحَ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ رَاغِباً فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُفَارِقُهَا .
فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَهَا بِقَصْدِ أَنْ يُحِلَّهَا لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَكَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ ، وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ .
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّا لَا تَحِيضُ لِصِغَرِهَا أَوْ كِبَرِهَا ؛ فَإِنَّهُ يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ ، سَوَاءٌ كَانَ وَطِئَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ يَطَؤُهَا ؛ فَإِنَّ هَذِهِ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .
فَفِي أَيِّ وَقْتٍ طَلَّقَهَا لِعِدَّتِهَا ؛ فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِقُرُوءٍ ، وَلَا بِحَمْلٍ ؛ لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُسَمِّي هَذَا " طَلَاقَ سُنَّةٍ " وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسَمِّيهِ " طَلَاقَ سُنَّةٍ " وَلَا " بِدْعَةٍ " .
وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ، أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا وَقَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا : فَهَذَا الطَّلَاقُ مُحَرَّمٌ ، وَيُسَمَّى " طَلَاقَ الْبِدْعَةِ " وَهُوَ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .
وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا ، وَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا : فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا .
وَهَلْ يُسَمَّى هَذَا طَلَاقَ سُنَّةٍ ؟ أَوْ لَا يُسَمَّى طَلَاقَ سُنَّةٍ ، وَلَا بِدْعَةٍ ؟ فِيهِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ .
وَهَذَا الطَّلَاقُ الْمُحَرَّمُ فِي الْحَيْضِ ، وَبَعْدَ الْوَطْءِ وَقَبْلَ تَبَيُّنِ الْحَمْلِ هَلْ يَقَعُ ؟ أَوْ لَا يَقَعُ ؟ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثاً ، فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثاً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ ؛ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثاً .
أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ .
أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ طَالِقٌ ، ثُمَّ طَالِقٌ .
أَوْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثاً ، أَوْ عَشْرَ طَلْقَاتٍ ، أَوْ مِائَةَ طَلْقَةٍ .
أَوْ أَلْفَ طَلْقَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ فَهَذَا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، وَمِنْ السَّلَفِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا .
وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ طَلَاقٌ مُبَاحٌ لَازِمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْقَدِيمَةِ عَنْهُ : اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 277
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٧