تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وَاَللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ " الطَّلَاقَ " " وَالْيَمِينَ " " وَالظِّهَارَ " " وَالْإِيلَاءَ " " وَالِافْتِدَاءَ " وَهُوَ الْخُلْعُ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْماً ، فَيَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، وَنُدْخِلَ فِي الطَّلَاقِ مَا كَانَ طَلَاقاً ، وَفِي الْيَمِينِ مَا كَانَ عَيْناً ، وَفِي الْخُلْعِ مَا كَانَ خُلْعاً ، وَفِي الظِّهَارِ مَا كَانَ ظِهَاراً ؛ وَفِي الْإِيلَاءِ مَا كَانَ إيلَاءً . وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ . وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْضٍ ، فَيَجْعَلُ مَا هُوَ ظِهَارٌ طَلَاقاً ، فَيَكْثُرُ بِذَلِكَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ الَّذِي يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَيَحْتَاجُونَ إمَّا إلَى دَوَامِ الْمَكْرُوهِ ؛ وَإِمَّا إلَى زَوَالِهِ بِمَا هُوَ أَكْرَهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْهُ ، وَهُوَ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ . وَأَمَّا الطَّلَاقُ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ إذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، أَوْ كَانَتْ حَامِلاً قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا ، ثُمَّ يَدَعَهَا تَتَرَبَّصُ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا غَرَضٌ ؟ سَرَّحَهَا بِإِحْسَانٍ . ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ هَذَا إرْجَاعُهَا يَتَزَوَّجُهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ ارْتِجَاعَهَا أَوْ تَزَوُّجَهَا ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلَّقَهَا فَهَذَا طَلَاقُ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعِ . وَمَنْ لَمْ يُطَلِّقْ إلَّا طَلَاقَ السُّنَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ نِكَاحِ التَّحْلِيلِ وَغَيْرِهِ ؛ بَلْ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لَهُ فِي كُلِّ طَلْقَةٍ رَجْعَةٌ ، أَوْ عَقْدٌ جَدِيدٌ : فَهُنَا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهَا إلَيْهِ بِنِكَاحِ تَحْلِيلٍ أَصْلاً ؛ بَلْ قَدْ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } وَاتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ ، فَلَا يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحَداً مِنْ خُلَفَائِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ أَعَادَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثاً إلَى زَوْجِهَا بَعْدَ نِكَاحِ تَحْلِيلٍ أَبَداً ، وَلَا كَانَ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ ظَاهِراً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ كَانَ مَنْ يَفْعَلُهُ سِرّاً ، وَقَدْ لَا تَعْرِفُ الْمَرْأَةُ وَلَا وَلِيُّهَا وَقَدْ { لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } ، وَفِي الرِّبَا قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَكَاتِبَهُ } فَلَعَنَ الْكَاتِبَ وَالشُّهُودَ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْهَدُونَ عَلَى دَيْنِ الرِّبَا ، وَلَمْ يَكُونُوا يَشْهَدُونَ عَلَى نِكَاحِ التَّحْلِيلِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 273 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا