الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمَبْرُورِ وَالْمَسْتُورِ .
ثُمَّ الْمَعْرُوفُ الْعَدَالَةُ عِنْدَ حَاكِمِ الْبَلَدِ : فَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَدِيماً وَحَدِيثاً : حَيْثُ يَعْقِدُونَ الْأَنْكِحَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَالْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ وَالْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُهُمْ .
وَإِنْ اشْتَرَطُوا مَنْ يَكُونُ مَشْهُوراً عِنْدَهُمْ بِالْخَيْرِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَدْلِ الْمَقْبُولِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ .
ثُمَّ الشُّهُودُ يَمُوتُونَ وَتَتَغَيَّرُ أَحْوَالُهُمْ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : مَقْصُودُ الشَّهَادَةِ إثْبَاتُ الْفِرَاشِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ ، حِفْظاً لِنَسَبِ الْوَلَدِ .
فَيُقَالُ : هَذَا حَاصِلٌ بِإِعْلَانِ النِّكَاحِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِالْإِشْهَادِ مَعَ الْكِتْمَانِ مُطْلَقاً .
فَاَلَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ مَعَ الْإِعْلَانِ يَصِحُّ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَانِ .
وَأَمَّا مَعَ الْكِتْمَانِ وَالْإِشْهَادِ فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ .
وَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ .
فَهَذَا الَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ .
وَإِنْ خَلَا عَنْ الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ : فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ .
فَإِنْ قُدِّرَ فِيهِ خِلَافٌ فَهُوَ قَلِيلٌ .
وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافاً فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ؛ ثُمَّ يُقَالُ بِمَا يُمَيَّزُ هَذَا عَنْ الْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَاناً .
وَفِي الْمُشْتَرِطِينَ لِلشَّهَادَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ لَا يُعَلِّلُ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْفِرَاشِ ؛ لَكِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ حُضُورَ اثْنَيْنِ تَعْظِيماً لِلنِّكَاحِ .
وَهَذَا يَعُودُ إلَى مَقْصُودِ الْإِعْلَانِ .
وَإِذَا كَانَ النَّاسُ مِمَّنْ يَجْهَلُ بَعْضُهُمْ حَالَ بَعْضٍ ، وَلَا يُعْرَفُ مَنْ عِنْدَهُ هَلْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَوْ خَدِينُهُ ، مِثْلُ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا النَّاسُ الْمَجَاهِيلُ : فَهَذَا قَدْ يُقَالُ : يَجِبُ الْإِشْهَادُ هُنَا .
وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَكْتُبُونَ " صَدَاقَاتٍ " لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَزَوَّجُونَ عَلَى مُؤَخَّرٍ ؛ بَلْ يُعَجِّلُونَ الْمَهْرَ ، وَإِنْ أَخَّرُوهُ فَهُوَ مَعْرُوفٌ ؛ فَلَمَّا صَارَ النَّاسُ يَتَزَوَّجُونَ عَلَى الْمُؤَخَّرِ وَالْمُدَّةُ تَطُولُ وَيُنْسَى : صَارُوا يَكْتُبُونَ الْمُؤَخَّرَ ، وَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً فِي إثْبَاتِ الصَّدَاقِ ؛ وَفِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ ؛ لَكِنَّ هَذَا الْإِشْهَادَ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ ؛ سَوَاءٌ حَضَرَ الشُّهُودُ الْعَقْدَ أَوْ جَاؤُوا بَعْدَ الْعَقْدِ فَشَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ نِكَاحٌ قَدْ أُعِلْنَ ، وَإِشْهَادُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاصٍ بِكِتْمَانِهِ إعْلَانٌ .
وَهَذَا بِخِلَافِ " الْوَلِيِّ " فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَهُوَ عَادَةُ الصَّحَابَةِ ، إنَّمَا كَانَ يُزَوِّجُ النِّسَاءَ الرِّجَالُ ، لَا يُعْرَفُ أَنَّ امْرَأَةً تُزَوِّجُ نَفْسَهَا .
وَهَذَا مِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ : لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ؛ فَإِنَّ الْبَغِيَّ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا .
لَكِنْ لَا يُكْتَفَى بِالْوَلِيِّ حَتَّى يُعْلِنَ ؛ فَإِنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحْسَناً عَلَى قَرَابَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى
الفتاوى الكبرى — صفحة 191
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩١