تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
فِيهِمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ ، وَالشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تَجِبُ عِنْدَهُمْ قَدْ أَمَرَ اللَّه فِيهَا بِإِشْهَادِ ذَوَيْ الْعَدْلِ ، فَكَيْفَ بِالْإِشْهَادِ الْوَاجِبِ ؟ ، ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ " بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ " وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي النِّكَاحِ ، ثُمَّ يُؤْمَرُونَ بِهِ فِي النِّكَاحِ وَلَا يُوجِبُهُ أَكْثَرُهُمْ فِي الرَّجْعَةِ ، وَاَللَّهُ أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ ؛ لِئَلَّا يُنْكِرَ الزَّوْجُ وَيَدُومَ مَعَ امْرَأَتِهِ ، فَيُفْضِيَ إلَى إقَامَتِهِ مَعَهَا حَرَاماً ؛ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى طَلَاقٍ لَا رَجْعَةَ مَعَهُ ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانٍ عَقِيبَ الْعِدَّةِ فَيَظْهَرَ الطَّلَاقُ . وَلِهَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ مِمَّا يَعِيبُ بِهِ أَهْلُ الرَّأْيِ : أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ ؛ وَهُمْ أَمَرُوا بِهِ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَالْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ ، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِإِشْهَادٍ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ أُمِرَ فِيهِ بِالْإِعْلَانِ فَأَغْنَى إعْلَانُهُ مَعَ دَوَامِهِ عَنْ الْإِشْهَادِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ ، فَكَانَ هَذَا الْإِظْهَارُ الدَّائِمُ مُغْنِياً عَنْ الْإِشْهَادِ كَالنَّسَبِ ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُشْهِدَ فِيهِ أَحَداً عَلَى وِلَادَةِ امْرَأَتِهِ ؛ بَلْ هَذَا يَظْهَرُ وَيُعْرَفُ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ هَذَا فَأَغْنَى هَذَا عَنْ الْإِشْهَادِ ؛ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَجْحَدُ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَظْهَرُ فِيهِ كَانَ إعْلَانُهُ بِالْإِشْهَادِ . فَالْإِشْهَادُ قَدْ يَجِبُ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُعْلِنُ وَيَظْهَرُ ؛ لَا لِأَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ بَلْ إذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ثُمَّ خَرَجَا فَتَحَدَّثَا بِذَلِكَ وَسَمِعَ النَّاسُ ، أَوْ جَاءَ الشُّهُودُ وَالنَّاسُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَأَخْبِرُوهُمْ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا : كَانَ هَذَا كَافِياً . وَهَكَذَا كَانَتْ عَادَةُ السَّلَفِ ، لَمْ يَكُونُوا يُكَلَّفُونَ إحْضَارَ شَاهِدَيْنِ ، وَلَا كِتَابَةَ صَدَاقٍ . وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِالْإِيجَابِ مِنْ اشْتِرَاطِ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ إلَّا مَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ : فَهَذَا أَيْضاً لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ . وَقَدْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَوْجَبَ مَنْ يَكُونُ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ قَطْعاً ، فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَزِمُونَ فِيهَا هَذَا . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ عَلَى قَوْلِهِ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ . فَقِيلَ : يُجْزِئُ فَاسِقَانِ : كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقِيلَ : يُجْزِئُ مَسْتُورَانِ ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِهِ ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَقِيلَ : فِي الْمَذْهَبِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ . وَقِيلَ : بَلْ إنْ عَقَدَ حَاكِمٌ فَلَا يَعْقِدُهُ إلَّا بِمَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ ؛ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ الْحُكَّامَ هُمْ