يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ } .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ } .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قُلْت لِأَبِي : إنَّ أَقْوَاماً يَقُولُونَ : إنَّ الْجِنِّيَّ لَا يَدْخُلُ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّ يَكْذِبُونَ ، هَذَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَمْرٌ مَشْهُورٌ ، فَإِنَّهُ يُصْرَعُ الرَّجُلُ فَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ ، وَيُضْرَبُ عَلَى بَدَنِهِ ضَرْباً عَظِيماً لَوْ ضُرِبَ بِهِ جَمَلٌ لَأَثَّرَ بِهِ أَثَراً عَظِيماً .
وَالْمَصْرُوعُ مَعَ هَذَا لَا يُحِسُّ بِالضَّرْبِ ، وَلَا بِالْكَلَامِ الَّذِي يَقُولُهُ .
وَقَدْ يُجَرُّ الْمَصْرُوعُ ، وَغَيْرُ الْمَصْرُوعِ ، وَيُجَرُّ الْبِسَاطُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ .
وَيُحَوِّلُ آلَاتٍ ، وَيُنْقَلُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان ، وَيَجْرِي غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ مَنْ شَاهَدَهَا .
أَفَادَتْهُ عِلْماً ضَرُورِيّاً ، بِأَنَّ النَّاطِقَ عَلَى لِسَانِ الْإِنْسِيِّ .
وَالْمُحَرِّكَ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الْإِنْسَانِ .
وَلَيْسَ فِي أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُنْكِرُ دُخُولَ الْجِنِّيِّ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ وَغَيْرِهِ ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّ الشَّرْعَ يُكَذِّبُ ذَلِكَ ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى الشَّرْعِ ، وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ .
وَأَمَّا مُعَالَجَةُ الْمَصْرُوعِ بِالرُّقَى ، وَالتَّعَوُّذَاتِ .
فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ : فَإِنْ كَانَتْ الرُّقَى وَالتَّعَاوِيذُ مِمَّا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا ، وَمِمَّا يَجُوزُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا الرَّجُلُ ، دَاعِياً لِلَّهِ ، ذَاكِراً لَهُ ، وَمُخَاطِباً لِخَلْقِهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْقَى بِهَا الْمَصْرُوعُ ، وَيُعَوَّذَ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ أَذِنَ فِي الرُّقَى ، مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكاً } .
وَقَالَ : { مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ } وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَلِمَاتٌ مُحَرَّمَةٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شِرْكٌ ، أَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْمَعْنَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا كُفْرٌ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْقِيَ بِهَا وَلَا يَعْزِمَ ، وَلَا يَقْسِمَ ، وَإِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 13
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣