فَصْلٌ : وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِ : إذَا نَزَلَ بِكَ حَادِثٌ أَوْ أَمْرٌ تَخَافُهُ فَاسْتَوْحِنِي فَيُكْشَفُ مَا بِكَ مِنْ الشِّدَّةِ ، حَيّاً كُنْتُ أَوْ مَيِّتاً .
فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ إمَّا يَكُونُ كَذِباً مِنْ النَّاقِلِ ، أَوْ خَطَأٌ مِنْ الْقَائِلِ ، فَإِنَّهُ نَقْلٌ لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ ، وَمَنْ تَرَكَ النَّقْلَ الْمُصَدَّقَ عَنْ الْقَائِلِ الْمَعْصُومِ ، وَاتَّبَعَ نَقْلاً غَيْرَ مُصَدَّقٍ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِمِثْلِ هَذَا ، وَلَا رُسُلُهُ أَمَرُوا بِذَلِكَ ، بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } .
وَلَمْ يَقُلْ ارْغَبْ إلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّك كَانَ مَحْذُوراً } .
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ : كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْعُزَيْرَ ، وَالْمَسِيحَ ، وَالْمَلَائِكَةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إذَا نَزَلَ بِكَ حَادِثٌ فَاسْتَوْحِنِي ، بَلْ { قَالَ لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُوصِيهِ : احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَك ، تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ، إذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ } " .
وَمَا يَرْوِيه بَعْضُ الْعَامَّةِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } .
فَهُوَ حَدِيثٌ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الدِّينِ .
فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ فَضِيلَةٌ ، فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِكُلِّ فَضِيلَةٍ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْفَعَةً لِلْحَيِّ بِالْمَيِّتِ فَأَصْحَابُهُ أَحَقُّ النَّاسِ انْتِفَاعاً بِهِ حَيّاً وَمَيِّتاً ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا مِنْ الضَّلَالِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ إنْ كَانَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 433
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٣