تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
سَكْتَتَيْنِ ، فَعُلِمَ أَنَّ إحْدَاهُمَا طَوِيلَةٌ وَالْأُخْرَى بِكُلِّ حَالٍ لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً مُتَّسِعَةً لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ . وَأَيْضاً فَلَوْ كَانَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ يَقْرَؤونَ الْفَاتِحَةَ خَلْفَهُ إمَّا فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى وَإِمَّا فِي الثَّانِيَةِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَنْقُلْ هَذَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ خَلْفَهُ يَقْرَؤونَ الْفَاتِحَةَ ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعاً لَكَانَ الصَّحَابَةُ أَحَقَّ النَّاسِ بِعِلْمِهِ ، وَعَمَلِهِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ . وَأَيْضاً فَالْمَقْصُودُ بِالْجَهْرِ اسْتِمَاعُ الْمَأْمُومِينَ ، وَلِهَذَا يُؤَمِّنُونَ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِ دُونَ السِّرِّ ، فَإِذَا كَانُوا مَشْغُولِينَ عَنْهُ بِالْقِرَاءَةِ فَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى قَوْمٍ لَا يَسْتَمِعُونَ لِقِرَاءَتِهِ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُحَدِّثَ مَنْ لَمْ يَسْتَمِعْ لِحَدِيثِهِ ، وَيَخْطُبَ مَنْ لَمْ يَسْتَمِعْ لِخُطْبَتِهِ ، وَهَذَا سَفَهٌ تُنَزَّهُ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ . وَلِهَذَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ : { مَثَلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } فَهَكَذَا إذَا كَانَ يَقْرَأُ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ عَلَيْهِ . فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مَأْمُوراً بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ ، لَمْ يَشْتَغِلْ عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِهَا ، لَا بِقِرَاءَةٍ ، وَلَا ذِكْرٍ ، وَلَا دُعَاءٍ ، فَفِي حَالِ جَهْرِ الْإِمَامِ لَا يَسْتَفْتِحُ ، وَلَا يَتَعَوَّذُ . وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ . وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، هِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ . قِيلَ : إنَّهُ حَالَ الْجَهْرِ يَسْتَفْتِحُ وَيَتَعَوَّذُ ، وَلَا يَقْرَأُ ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِمَاعِ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُ الْقِرَاءَةِ ؛ بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُمَا . وَقِيلَ : يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ ، لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ تَابِعٌ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ التَّعَوُّذِ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلْقِرَاءَةِ ، فَمَنْ لَمْ يَقْرَأْ لَا يَتَعَوَّذُ . وَقِيلَ : لَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ حَالَ الْجَهْرِ ، وَهَذَا أَصَحُّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ عَمَّا أُمِرَ بِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 294 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا