الْفُرْقَانِ } .
وَقَدْ قِيلَ نُورٌ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } .
وَعَدَ الْمُتَّقِينَ بِالْمَخَارِجِ مِنْ الضِّيقِ وَبِرِزْقِ الْمَنَافِعِ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } .
وَقَوْلُهُ : { إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ : { إنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَك اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك وَيَهْدِيَك صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَك اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } .
وَبِإِزَاءِ ذَلِكَ أَنَّ الضَّلَالَ وَالْمَعَاصِيَ تَكُونُ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } .
وَقَالَ : { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } .
وَقَالَ : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } .
وَقَالَ : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } إلَى قَوْلِهِ : { لَا يُؤْمِنُونَ } ، إلَى قَوْلِهِ : { يَعْمَهُونَ } وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ .
وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ : إنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا ، وَإِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا .
وَقَدْ شَاعَ فِي لِسَانِ الْعَامَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ : { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ } مِنْ الْبَابِ الْأَوَّلِ ، حَيْثُ يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى سَبَبُ تَعْلِيمِ اللَّهِ ، وَأَكْثَرُ الْفُضَلَاءِ يَطْعَنُونَ فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْبِطْ الْفِعْلَ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ رَبْطَ الْجَزَاءِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 105
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٥