تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
السَّرَاوِيلِ يَسْتُرُ ، بِخِلَافِ الرِّدَاءِ فَوْقَ السَّرَاوِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتُرُ تَقَاطِيعَ الْخَلْقِ . وَأَمَّا الرِّدَاءُ فَوْقَ السَّرَاوِيلِ : فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَحِبُّهُ تَشَبُّهاً بِهِمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَحِبُّهُ لِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّ عَادَتِهِمْ الْمَعْرُوفَةَ لُبْسُهُ مَعَ الْإِزَارِ ، وَمَنْ اعْتَادَ الرِّدَاءَ ثَبَتَ عَلَى جَسَدِهِ بِعَطْفِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ ، وَإِذَا حَجَّ مَنْ لَمْ يَتَعَوَّدْ لُبْسَهُ ، وَكَانَ رِدَاؤُهُ صَغِيراً لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِعَقْدِهِ ، وَكَانَتْ حَاجَتُهُمْ إلَى عَقْدِهِ كَحَاجَةِ مَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ إلَى الْخُفَّيْنِ ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَى سَتْرِ الْبَدَنِ قَدْ تَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى سَتْرِ الْقَدَمَيْنِ . وَالتَّحَفِّي فِي الْمَشْيِ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ . وَأَمَّا إظْهَارُ بَدَنِهِ لِلْحَرِّ ، وَالْبَرْدِ وَالرِّيحِ ، وَالشَّمْسِ ، فَهَذَا يَضُرُّ غَالِبَ النَّاسِ . وَأَيْضاً فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِسَتْرِ ذَلِكَ فَقَالَ : { لَا يُصَلِّيَنَّ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ } . وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ حَافِياً ، فَعُلِمَ أَنَّ سَتْرَ هَذَا إلَى اللَّهِ أَحَبُّ مِنْ سَتْرِ الْقَدَمَيْنِ بِالنَّعْلَيْنِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ ، رُخِّصَ فِيهِ فِي الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ ، فَلَأَنْ يُرَخَّصَ فِي هَذَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى . فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَخَّصَ فِي لُبْسِ الْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ ، وَنَحْوِهِمَا : لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الرِّدَاءَ . قِيلَ الْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِأَنْ يَلْتَحِفَ بِذَلِكَ عَرْضاً مَعَ رَبْطِهِ وَعَقْدِ طَرَفَيْهِ فَيَكُونُ كَالرِّدَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّبْطُ فَإِنَّ طَرَفَيْ الْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ وَنَحْوِهِمَا لَا يَثْبُتُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْدِيَةُ الصِّغَارُ فَمَا وَجَدَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ قَمِيصٍ ، وَمَا يُشْبِهُهُ كَالْجُبَّةِ ، وَمِنْ بُرْنُسٍ ، وَمَا يُشْبِهُهُ مِنْ ثِيَابٍ مُقَطَّعَةٍ ، أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ بِهَا إذَا رَبَطَهَا ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَحْظُوراً ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَكْرُوهاً فَعِنْدَ الْحَاجَةِ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ كَمَا رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْهِمْيَانَ لِحِفْظِ مَالِهِ ، وَيَعْقِدَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 332 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا