ذَلِكَ فَأَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِجَوَازِ " الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَنَقَلُوا أَيْضاً أَمْرَهُ مُطْلَقاً كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : { عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ، قَالَ : أَتَيْت عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ : عَلَيْك بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاسْأَلْهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَة أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ } .
أَيْ جَعَلَ لَهُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَطْلَقَ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخِفَافَ فِي الْعَادَةِ لَا يَخْلُو كَثِيرٌ مِنْهَا عَنْ فَتْقٍ أَوْ خَرْقٍ ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَقَادُمِ عَهْدِهَا وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فُقَرَاءَ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمْ تَجْدِيدُ ذَلِكَ ، { لَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ : أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ } .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ ثِيَابَهُمْ كَانَ يَكْثُرُ فِيهَا الْفَتْقُ وَالْخَرْقُ ، حَتَّى يَحْتَاجُ لِتَرْقِيعٍ ، فَكَذَلِكَ الْخِفَافُ .
وَالْعَادَةُ فِي الْفَتْقِ الْيَسِيرِ فِي الثَّوْبِ ، وَالْخُفِّ : أَنَّهُ لَا يُرَقَّعُ ، وَإِنَّمَا التَّرْقِيعُ الْكَثِيرُ ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الضَّيِّقِ ، حَتَّى إنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَجَدُوا تَقَلَّصَ الثَّوْبُ ، فَظَهَرَ بَعْضُ الْعَوْرَةِ ، وَكَانَ النِّسَاءُ نُهِينَ عَنْ أَنْ يَرْفَعْنَ رُؤُوسَهُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ رُؤُوسَهُمْ لِئَلَّا يَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ ، مَعَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَخَارِجِ الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ سَتْرِ الرِّجْلَيْنِ بِالْخُفِّ .
فَلَمَّا أَطْلَقَ الرَّسُولُ الْأَمْرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ ، وَجَبَ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَلَمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 312
مساهمون: ابن تيمية
ص٣١٢