تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ حِلُّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَالْكَلَامُ فِي نِسَائِهِمْ كَالْكَلَامِ فِي ذَبَائِحِهِمْ ، فَإِذَا ثَبَتَ حِلُّ أَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ حِلُّ الْآخَرِ ، وَحِلُّ أَطْعِمَتِهِمْ لَيْسَ لَهُ مُعَارِضٌ أَصْلاً . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ : قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } ، مَحْمُولٌ عَلَى الْفَوَاكِهِ وَالْحُبُوبِ . قِيلَ : هَذَا خَطَأٌ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذِهِ مُبَاحَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوس ، فَلَيْسَ فِي تَخْصِيصِهَا بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَائِدَةٌ . الثَّانِي : أَنَّ إضَافَةَ الطَّعَامِ إلَيْهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَارَ طَعَاماً بِفِعْلِهِمْ ، وَهَذَا إنَّمَا يُسْتَحَقُّ فِي الذَّبَائِحِ الَّتِي صَارَتْ لَحْماً بِذَكَاتِهِمْ ، فَأَمَّا الْفَوَاكِهُ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا مَطْعُومَةً لَمْ تَصِرْ طَعَاماً بِفِعْلِ آدَمِيٍّ . الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَرَنَ حِلَّ الطَّعَامِ بِحِلِّ النِّسَاءِ ، وَأَبَاحَ طَعَامَنَا لَهُمْ ، كَمَا أَبَاحَ طَعَامَهُمْ لَنَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حُكْمَ النِّسَاءِ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ الْمُشْرِكِينَ ، كَمَا أَبَاحَ طَعَامَهُمْ لَنَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حُكْمَ النِّسَاءِ مُخْتَصٌّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ ، وَالْحَبِّ لَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ . الرَّابِعُ : أَنَّ لَفْظَ الطَّعَامِ عَامٌّ ، وَتَنَاوَلَهُ اللَّحْمَ وَنَحْوَهُ أَقْوَى مِنْ تَنَاوُلِهِ لِلْفَاكِهَةِ ، فَيَجِبُ إقْرَارُ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَ بِهِ قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } ، وَنَحْنُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُطْعِمَهُمْ كُلَّ أَنْوَاعِ طَعَامِنَا ، فَكَذَلِكَ يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ طَعَامِهِمْ . وَأَيْضاً فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ ، بَلْ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَتْ لَهُ