وقال : { وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى } ( 1 ) ؟ وهل هذا من باب زهده هو وأصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ؟ أم أن هذا كان في أول الإسلام فلما فتح الله تعالى على رسوله اغتنى ؟ ومما يحضرني حديث إذا مات أحد الصحابة أو أحدهم في زمنه وعليه دين لا يصلي عليه ويقول : « صلوا على صاحبكم » ( 2 ) ، فلما فتح الله تعالى على نبيه قال : « أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن ترك دينا أو ( عيلة ) عائلة فإلي وعلي » ( 3 ) فهل هذا صحيح ؟ أم رسول الله عليه السلام كان من أزهد الناس هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ؟ وحديث آخر يحضرني : « رأى عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثر الحصير في جنبه ( الشريف ) فبكى عمر ، فقال له : " ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟ " . قال : إني لا أرى إلا ما أرى في بيت مال المسلمين ، وأرى كسرى وقيصر وهما ما هما عليه من الشرك متنعمان بالفرش الوثيرة ، وأنت رسول الله وصفوته من خلقه هكذا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة » ( 4 ) ، فهل هذا صحيح ؟ فهل هذا كله من باب الزهد والإعراض عن الدنيا والإقبال على الدار الآخرة ؟ أم أن هذا كان في أول الإسلام فلما كثر المال واغتنى المسلمون من فضل الله تعالى أصبح الأمر كما بينا ، وهل هذه الأحاديث إن كانت صحيحة تتعارض مع سورة الضحى ؟ وهذا ما لا أعتقده ، أفتونا بالجواب الصحيح أثابكم المولى جل وعلا ؟ ج 2 ، 3 ، 4 : لا تعارض بين ما ذكرت لأمرين : الأول : أنه كان فقيرا فأغناه الله ، كما هو نص آيتي الضحى . الثاني : أنه مع كثرة ما أعطاه الله وتحقق رضاه بما أعطاه من الخيرات المادية وغيرها كانت مسؤلياته تجاه أمته ومصالحها العامة والخاصة أعظم ، وبذله ونفقاته في ذلك أكثر من دخله ، فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، كما وصفه أعرابي بذلك لقومه في ثنائه عليه ، ومن ذلك قضاؤه لدين من مات وعليه دين ، وتكفله من مات عائلهم بتولي جميع شؤونهم من رعاية ونفقات ، وقد ثبت عنه
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 307
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص٣٠٧
هامش
( 1 ) سورة الضحى الآية 8
( 2 ) صحيح البخاري الحوالات ( 2169 ) , سنن النسائي الجنائز ( 1961 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 4 / 50 ) .
( 3 ) صحيح مسلم الجمعة ( 867 ) , سنن النسائي صلاة العيدين ( 1578 ) , سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء ( 2954 ) , سنن ابن ماجة المقدمة ( 45 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 3 / 311 ) .
( 4 ) صحيح البخاري تفسير القرآن ( 4629 ) .