تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١

لسانه شيئا يلتبس عليه فيتلوه على أنه قرآن ( 1 ) وللإجماع على عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من الشرك فيمتنع أن يتكلم بكلمة : ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ) سهوا أو ظنا منه أنها قرآن ، ولأنه يستحيل أن يؤثر الرسول صلى الله عليه وسلم صلة قومه ؛ ورضاهم على صلة ربه ورضاه ، فيتمنى ألا ينزل الله عليه ما يغضب قومه حرصا منه على رضاهم ، ثم ما استدل به على ثبوت القصة من قوله تعالى : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } ( 2 ) لا يدل على صحتها ، بل يدل على براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه من تلاوة هذه الكلمة الشركية ؛ لأنها تفيد النفي لا الإثبات ، ولأنها تفيد أن الشيطان ألقى في أمنيته : أي تلاوته ، وليس فيها أن الشيطان ألقى على لسانه تلك الكلمات الشركية ، أو ألقاها في نفسه فتلاها أو قرأها أو تكلم بها سهوا أو غلطا أو قصدا حتى جاء جبريل وأنكر عليه وأصلح له ما أخطأ فيه ، وأسف صلى الله عليه وسلم أسفا شديدا على ما فرط منه ، ولم يثبت أن الآية نزلت تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما أصيب به مما ذكر في هذه القصة حتى يكون مساعدا على تأويلها بما جاء فيها من المنكرات . وقد وافق جمهور أهل السنة ابن العربي فيما ذكره ، وذكروا أن معنى الآية : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا ما أنزلنا عليه من الوحي أو تكلم به ألقى شيطان الإنس أو الجن أثناء تلاوته أو خلال حديثه وكلامه قولا يتكلم به الشيطان ويسمعه الحاضرون ، أو يوسوس الشيطان وساوس يلقيها في نفوس الكفار ومرضى القلوب من المنافقين فيحسبها أولئك من الوحي وليست منه ، فيبطل الله ما ألقى الشيطان من القول أو الشبه والوسوسة ويزيله ، ويحق الحق بكلماته لكمال علمه ، وبالغ حكمته ، وهذه سنة الله مع رسله وأنبيائه وأعدائه وأعدائهم ، ليتم معنى الابتلاء والامتحان ويميز الخبيث من الطيب ، ليهلك من هلك بما ألقى الشيطان من الكفار ومرضى القلوب ، ويحيى من حي عن بينة من أهل العلم واليقين الذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان وهدوا إلى صراط مستقيم .

هامش
( 1 ) [ أحكام القرآن ] ( 3 / 1300 ) .
( 2 ) سورة الإسراء الآية 73