فأخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر الذي طلبوه منه وهو اتخاذه شجرة للعكوف عندها وتعليق الأسلحة بها تبركا كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى عليه السلام ، فكذا العكوف عند القبور ، وروى الترمذي وأبو داود وابن ماجة في سننهم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، ولا تجعلوا قبري عيدا ، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم » ( 1 ) ، وأما بالنسبة لعبادة الله عندها فقد نهى عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فروى البخاري ومسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » ( 2 ) ، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد يشمل اتخاذها لعبادة الله أو لعبادة غير الله سواء كانت في مسجد مبني أو لا ؟ وأما المجيء إلى صاحب هذا القبر ودعاؤه واعتقاد أنه يملك النفع والضر فهذا شرك أكبر ، ومن فعل ذلك فإما أن يكون جاهلا أو عالما ، فإن كان عالما - فهو مشرك شركا أكبر يخرجه عن الإسلام ، وإن كان جاهلا فإنه يبين له ، فإن رجع إلى الحق فالحمد لله ، وإن لم يرجع إلى الحق ، فإنه كالعالم في الحكم ، والأدلة على ذلك كثيرة ، قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ( 3 ) { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } ( 4 ) إلخ السورة ، وقال تعالى : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ( 5 ) وفي الحديث القدسي : « من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه » ( 6 ) وأما ما ذكره السائل من بناء بيت مزين ومزخرف على هذا القبر - فهذا لا يجوز ، فإنه من تعظيم صاحب القبر تعظيما مبتدعا . ومن وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم : « أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته » ( 7 ) .
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء — صفحة 332
مساهمون: أحمد بن عبد الرزاق الدويش
ص٣٣٢
هامش
( 1 ) الإمام أحمد ( 2 / 367 ) ، و ] مسلم بشرح النووي [ ( 6 / 67 ، 68 ) ، وأبو داود ( 2 / 534 ) ، والترمذي ( 5 / 157 ) ، وابن ماجة ( 1 / 438 ) ، والجهضمي في ] فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم [ رقم ( 20 ، 30 ) .
( 2 ) انظر باب ( الغلو في القبور ) .
( 3 ) سورة الكافرون الآية 1
( 4 ) سورة الكافرون الآية 2
( 5 ) سورة الإخلاص الآية 4
( 6 ) صحيح مسلم الزهد والرقائق ( 2985 ) , سنن ابن ماجة الزهد ( 4202 ) , مسند أحمد بن حنبل ( 2 / 301 ) .
( 7 ) الإمام أحمد ( 1 / 96 ، 129 ) ، و ] مسلم بشرح النووي [ ( 7 / 36 ) ، والنسائي ( 4 / 88 ، 89 ) ، والترمذي ( 3 / 336 ) .