فإن الأمراض لو كانت العلة في الأزل لكان المعلول لم يزل فلا معلول ولا علة فقد تظهر الشبه في صور الأدلة
البراهين لا تخطى في نفس الأمر وإن أخطأ المبرهن عليه فذلك راجع إليه وأما البرهان فقوى السلطان ولا يعرف
الدليل إلا بالدليل فما إلى علمه من سبيل من علمت به معلوما وجهلته فما علمته فإنك لا تعلم ما علمت به فانتبه ومن
ذلك سر الموت إلا الأبيض وبنا ما تقوض من الباب 124 من قوض ما طنب أوجز وما أطنب الجوع بئس الضجيع الجوع ممنوع
الجوع حمى منيع لو بقي المتغذي نفسا واحدا دون غذاء لم يكن من يقال فيه ماذا ما هو إلا انتقال
من حال إلى حال سر الموت كرباته وكشفه حسراته فأبيضه ألم حسي وأحمره ألم نفسي وأسوده مرض عقلي
وأخضره مثل زهر النبات لما فيه من الشتات فتفرق به بين المثلين ويباعد بين الشكلين فإذا انقلب الألم لذة
استلذه الموت للمؤمن تحفه والنعش له محفة ينقله من العدوة الدنيا إلى العدوة القصوى حيث لا فتنة ولا بلوى
فينزله أحسن منزل في أخصب منزل منزل لذة ونعيم ويسقى من عين مزاجها من تسنيم فهو نهر أعلى ينزل من العلي
إلى عين أدنى له علو المرتبة كعلو الكعبة وإن كانت في تهامة فالحج إليها على شرفها علامة أقرب ما يكون العبد
من ربه في حال السجود وأين النزول من الصعود فعلمنا إن نعت السجود بالأعلى أولى من مات فقد قامت
قيامته وإن خفيت بالأرض قامته لو بقي الجدار أرضا ما اتصف بالهدم ولو لم يكن الشيخ شابا ما نعت بالهرم جبل الخلق
على الحركة فانتقل في الأطوار وحكمت عليه بمرورها الأعصار الزمان زمانه وما بيده أمانة ومن يحوي عليهم هم
أهل الأمانات ولهم فيها علامات فمن عرف علامته أخذ أمانته ولو رام أخذ ما ليس له ما أعطاه استعداده ولا قبله
وما مات أحد إلا بحلول أجله وما قبض إلا دون أمله ليس بخاسر ولا مغبون من كان أمله المنون فإن فيه اللقاء
الإلهي والبقاء الكياني ومن ذلك سر الموت وما فيه من الفوت من الباب 125 الفوت في الموت لكل ميت
الدار الدنيا محل بلوع الأمل ما لم يخترمه الأجل هي مزرعة الآخرة فأين الزارع وفيها تكتسب المنافع الحصاد
في القبور والبيدر في الحشر والنشور والاختزان في الدار الحيوان ذبح الموت أعظم حسرة وذبحه لتنقطع الكرة
من كانت تجارته بائرة فكرته خاسرة إذا رد في الجافرة أين الرد في الحافرة من قوله وننشئكم فيما لا تعلمون ونبه
عليها بقوله ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون فإنها كانت على غير مثال وكذا يكون في المال عجبا من موت يذبح
في صورة كبش أملح وهو الذبح العظيم الجليل فداء ابن إبراهيم الخليل وذبحه بين الجنة والنار عبرة في برزخيته لأهل
الاعتبار هو علامة الخلود في النحوس والسعود في هبوط وصعود وكل إلى الله راجع لأنه الاسم الجامع في ذبحه عزل
ملكه ونزوله من منصته وفلكه هذا قد ثبت غزله وانتقض غزله فما يكون عمله من الأعمال وقد انتهت مدته
بانتهاء الآجال من فارق وطنه فقد فارق سكنه لولا القطان ما كانت الأوطان
القلب بيت وإن العلم يسكنه * بالعلم يحيى فلا تطلب سوى العلم
ما تم علم يكون الحق يمنحه * إلا الكتاب لمن قد خص بالفهم
فيه فتبدو علوم كلها عجب * لكل قلب سليم حائز الحكم
أو سابق أو إمام ظل مقتصدا * يرجو النحاة فما ينفك عن وهم
إن النجاة لتأتي القوم طائعة * وتأت قوما إذا جاءت على الرغم
إن لله رجالا يقودهم بالسلاسل إلى الجنة ركبانا ورجالا لعناية سبقت وكلمة حقت وصدقت ماتت قلوبهم في صدورهم
عند صدورهم جهلا ومع هذا يقال لهم إذا سعدوا أهلا وسهلا بلا تعب ولا نصب ولا جدال ولا شغب أين هؤلاء ممن
ينطلق إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب أتاهم الرزق من حيث لم يحتسبوا ودعاهم الحق فبادروا
فما حجبوا ومن ذلك سر الفتن في السر والعلن من الباب 126 أين القوة والناصر يوم تبلي السرائر يقول
الله فما له من قوة ولا ناصر ثم أقسم بالجمع السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل
بليت في القيامة السرائر كما بليت بالجهاد الظواهر ليتميز الصابر من غير الصابر بالمسبار والسابر من أعجب ما في
الفتوحات المكية — صفحة 352
مساهمون: ابن عربي
ص٣٥٢