Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 176

Contributors:

P.176
الحفظ فلذا قال السائل هل على غيرها يعني الخمس قال لا إلا أن تطوع وجمع له في الصلاة بين الجهر والسر أعني في القراءة وجمع له أيضا بين القول والفعل والحال وإلهيات في الحركات من قيام وركوع وسجود وجلوس وأثنى على من أتى بهن لم يضيع من حقهن شيئا بالدوام عليها والخشوع فيها وأعطاها الليل والنهار حتى يعم الزمان بركتها وقد بينا من أسرارها ما شاء الله في باب الصلاة من هذا الكتاب وكذلك بينا أيضا من شأنها في كتاب التنزلات الموصلية لنا ثم إن الله شرع طهارة لها مائية وترابية فإن النشأ الإنساني لم يكن إلا من تراب كآدم وماء كبني آدم فقال خلقكم من تراب ومن ماء ومن طين وهو خلط الماء بالتراب فجعل الطهارة للصلاة بما منه خلقنا فطهارتنا من ماء وهو الوضوء وتراب وهو التيمم فنحن نور على نور بحمد الله وما كتب الله هذه الصلاة إلا على المؤمنين وليس المؤمن سوى المصدق بأحدية الكثرة الإلهية لما هي عليه من الأسماء الحسنى والأحكام المختلفة من حيث إن كل اسم إلهي يدل على الذات وعلى معنى ما هو المعنى الآخر الذي يدل عليه الاسم الآخر فله أحدية العين فهو مؤمن أيضا بأحدية العين كما هو مؤمن بأحدية الكثرة فمن لم يكن له هذا الايمان وإلا فليس هو المؤمن الذي كتب الله عليه هذه الصلاة وإنما كتبها على المؤمن دون العالم لعموم الايمان فإن المؤمن هو عين المقلد لأنه المصدق بالخبر لما تعطيه حقيقة الخبر من الاحتمال فأبقى الخبر على أصله فالعالم من علمه بالأمور على ما هي عليه أن لا يزيل الخبر عن احتماله بالنظر إلى ذات الخبر فهو عالم بصدق هذا الخبر المعين لأن الخبر وإن اقتضت ذاته الاحتمال فإنه لا بد أن يكون في نفسه موصوفا بأحد الاحتمالين إما صدق وإما كذب ولا يعرف ما هو عليه من هذين الوصفين إلا بدليل فهذا هو حظ العالم فقد صدق به العالم أنه صدق لا كذب أعني هذا الخبر المعين وقلده في هذا التصديق المؤمن فالمؤمن العالم قام له دليل العلم على إن المخبر صادق وأن هذا الخبر المعين صدق فهو مؤمن بلا شك وأعطى العالم نفسه الأمان أن ينقلب العلم جهلا وصدق المقلد العالم فيما أخبره به من صدق هذا الخبر فاشترك الكل في نعت الايمان فلو كتبها الله على العلماء دون المؤمنين لما وجبت على المقلدين والعلماء لهم صفة الايمان فكتب على الوصف العام ولولا الحق تعالى ما نزل إلى عباده ما وصفهم تعالى بالعلم به ولا بالإيمان فهم أحق بالعلم به من علمه به فإن علم الخلق به علم اضطرار وافتقار ذاتي لما تعطيه ذات الممكن من الاستناد إلى المرجح فبنزوله إلينا عرفناه فهو يظهر بنا ولا يتمكن لنا أن نظهر به فيجمع سبحانه بين نعت السادات والعباد ولا يتمكن للعباد أن يكونوا أربابا في أنفسهم وإن ظهروا بنعوت سيدهم وإنما كلامنا في نفس الأمر لا فيما يجدونه في أوقات فما هو له تعالى فمعلوم من القسمة وما هو للعبد فمعلوم وما وقع فيه الاشتراك فما هو لله فهو لله في عين الاشتراك وما هو للعبد فهو للعبد في عين الاشتراك فهو في نفس الأمر معين وإن وقع الاشتراك فليس إلا في الألفاظ الدالة على الاشتراك وأما في نفس الأمر فلا اشتراك بوجه من الوجوه فإن كل واحد على نصيبه المعين له وإن لم يكن الأمر كذلك اختلطت الحقائق وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وقليل أيضا ما هم فكل مصل أدى صلاته لوقتها ولم يطلع ولا أنتج له معرفة بسر القدر الذي قد أومأنا إليه في هذا الكتاب في مواضع كثيرة مختلفة بطرائق عجيبة فما صلى الصلاة لوقتها وذلك أن الله ما شرع هذه العبادات لإقامة نشأة صورتها الظاهرة بل لما تدل عليه وتعطيه من جانب الحق من المعرفة به وإن لم تكن الصورة قد نفخ القائل فيها روحا تحيي به ولا ينفخ فيها روحا إلا بإذن ربه كما قال وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فقد شارك كل مصور وما تعلق به ذم كما تعلق بالمصورين فإنه ما صوره ع إلا بإذن الله ثم قال فتنفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله فزال من هيأة الطائر وعاد طائرا فكذلك عمل العبد إذا عمله بالإيمان من حيث إن الحق أمره بذلك العمل فقد أذن له في إنشاء تلك الصورة فقد شارك المنافق كما شارك المصورين من خلق من الطين كهيئة الطير فإن المنافق ما أذن الله له أن ينشئ صورة العمل على ذلك الحد وما أمر الله بإنشاء صور الأعمال إلا للمؤمنين فلما وقع الاشتراك في ظاهر الصورة بين المؤمن والمنافق نفخ المؤمن بإيمانه فيها روحا فعادت