كان ههنا بمدينة السلام في عصرنا من الشيوخ ، فإنه كان ينفي أن يكون القول بتخصيص
العلة من مذاهبهم .
وله مناكير - في هذا الباب - في أجوبة مسائلهم ، لا تخيل على من له أدنى رياضة
بفقههم ، إن كان ما يحكيه ليس من مقالتهم . نحو قوله في جواز الوضوء بنبيذ التمر على
مذهب أبي حنيفة عند عدم الماء : إن أبا حنيفة إنما أجاز ذلك في تمر ألقي في ماء فلم يستحل
نبيذا ، وكان حلوا ، وإن نبيذ التمر المطبوخ المستحيل إلى حال الشدة لا يجوز الوضوء به
عنده .
ومذاهبهم في تخصيص أحكام العلل الشرعية أشهر من أن يدفعه إنكار منكر ،
ولعمري إنه يمكن حصر العلل الشرعية في جميع مسائل الاستحسان التي خصصنا عللها
بمعان لا يلزم عليها التخصيص ، إلا أنه لا يجوز دفع المذاهب بجواز ما وصفنا .
وتقييد العلة مما لا يلزم عليه التخصيص . كقول أصحابنا في علة تحريم النساء :
إنها وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل ، فمتى أطلقنا ( العلة ) على هذا الحد احتجنا
إلى ترك الحكم ، مع وجود العلة في الدراهم والدنانير ، إذا أسلمها في سائر الموزونات ،
فيكون فيه تخصيص من جملة موجب العلة .
ولو قيدناها بأن قلنا : إن علة تحريم النساء هي : وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل
في غير جنس الأثمان ، كان حكمها حينئذ جاريا معها موجودا بوجودها ، ولا توجد في حال
من الأحوال عارية من إيجاب حكمها .
وكذلك لو قلنا في الابتداء : إن العلة أحد وصفي علة تحريم التفاضل فيما يتعين ، لم
يلزمنا عليها التخصيص ، لان الدراهم والدنانير لا تتعينان بالعقود عندنا .
واستعمال التقييد وحصر العلل بما لا يلزم عليها التخصيص ممكن في سائر العلل
التي خصوا أحكامها ، إلا أنه لا يجوز مع ذلك أن يعزى إليهم ما ليس من مقالتهم ، لأجل
إمكان ذلك ، ( وبالله التوفيق ) .
الفصول في الأصول — صفحة 256
مساهمون: الجصاص
ص٢٥٦