الواحد إنما يوجب عندنا العلم الظاهر دون الحقيقة ، لم يكن في الآيات التي ذكرها السائل
ما ينفي قبوله ، إذا كان ما أوجبه ضربا من العلم يجوز أن يقتضيه ظاهر هذه الآيات ، ليكون
الحكم به حكما لموجبها ومقتضاها ، ولو كانت هذه الآية موجبة لما ادعاه السائل - لمنعت قبول
قول الرسول في الهدية ، ولسقطت أخبار المعاملات كلها ، لأنها لا توجب علم الحقيقة .
ومعلوم : أن أكثر أخبار المعاملات تشتمل على إباحة ما كان محظورا قبل الخبر ، وحظر
ما كان مباحا . فلما اتفق المسلمون على قبول أخبار المعاملات في إباحة ما كان محظورا ، وحظر
ما كان مباحا ، مع عدم العلم الحقيقي بصحة مخبرها ، بطل بذلك استدلال من استدل
بظواهر هذه الآيات على نقي قبول أخبار الآحاد في أمور الديانات ، من حيث لم يوجب علما
لمخبرها .
وعلى أنه لو استدل مستدل على قبول خبر الواحد بظواهر هذه الآيات ، لم يتعدد
ذلك ، لأن قوله تعالى : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( ولا تقولوا
على الله إلا الحق ) ( 2 ) ونحو ذلك قد اقتضى الحكم بما يجوز في إطلاق اللفظ ، فإنه حكم
بعلم ، وهو قول الحق ، وكان ما يخبر به العدل موجبا لضرب من العلم ، أوجب ذلك دخوله
في ظاهر الآية ، ولزم الحكم به بعمومها .
فإن قال قائل : أخبار الآحاد الواردة في أمور الديانات مخالفة للشهادات ،
والإقرارات ، وأخبار المعاملات ، وذلك لأنا إنما كلفنا الشهادة في الإقرار من علم الإقرار
والشهادة والقضاء بهما ، ولم نكلف علم ما كان به الإقرار ، ولا علم ما قامت به الشهادة .
وكذلك قوله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات ) ( 3 ) إنما كلفنا فيهن علم ظهور ذلك
منهن ، لا علم المضمن ، فهو مخالف لخبر الواحد في الدين ، لأنا كلفنا فيه علم المخبر عنه
بقوله تعالى : ( وأن تقولوا ( 4 ) على الله ما لا تعلمون ) ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) ( 5 )
وقوله تعالى : ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) . ( 6 )
الفصول في الأصول — صفحة 91
مساهمون: الجصاص
ص٩١