فصل
وأما من رد الأخبار المختلف فيها وأثبت المتفق عليها ( 1 ) فقوله ظاهر الفساد . ويقال
لهم : أليس خلاف من خالف في صحة وقوع العلم بالإخبار عن البلدان الثابتة لم يقدح
عندكم في صحتها ، ووقوع العلم بمخبرها ، مع وجود الخلاف من هذه الطائفة منها . فهلا
استدللتم بذلك على أن خلاف من خالف لا يقدح في صحة المقالة بعد قيام الدلالة على
صحتها .
وأيضا : فإن سائر الأشياء التي طريق معرفتها والعلم بها العقل لا الاعتبار فيها
بالإجماع ، ولا الاختلاف ، وإنما المعتبر فيها قيام الدلالة على صحة الصحيح ، وفساد
الفاسد ، ثم إذا قامت الدلالة على صحة شئ منها من جهة العقل لم يعتبر خلاف مخالف
فيها ، ولم يقدح في صحته ، فهلا اعتبرتم صحتها من جهة قيام الدلالة دون الإجماع
والاختلاف ، وعلى أن هذه القضية توجب على اليهود على أن لا يثبت شئ من أعلام
موسى لوجود الخلاف فيها ، إذ كانت الثنوية والمجوس وسائر الملحدين يجحدونها ، فلما
صحت أعلام موسى عليه السلام لوجود النقل المتواتر الذي يمتنع معه التواطؤ ، يجب أن
يصح ويثبت ، وأن لا يقدح فيها خلاف من خالف .
فصل
وأما من قال لا نعرف صحة الخبر إلا بقول المعصوم ، فإن قوله ظاهر الفساد ، من
جهة : أن علم الروم وسائر ملك الكفرة في بلادها تكون أقاويلهم وسائر ملوكهم وأسلافهم
وبلدانهم النائية عنها - كعلمنا بكون أوائلنا وأسلافنا ، فلو كان صحة وقوع العلم بالأخبار
موقوفة على قول المعصوم لوجب أن ( لا ) ( 2 ) يعلم الكفار في دار الحرب شيئا ( من
الفصول في الأصول — صفحة 58
مساهمون: الجصاص
ص٥٨