ويخشى عليه الإثم ، ولا يحكم عليه بالضلال ، لأن ابن عباس عارض حديث الصرف بخبر
أسامة بن زيد ( لا ربا إلا في النسيئة ) . ( 1 ) والخوارج خالفت الإجماع ، وخبر المسح على الخفين :
رواه جماعة كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خالف فيه ابن عباس ، وعائشة وأبو هريرة . وقالوا : إن
المسح كان قبل نزول ( 2 ) المائدة ، فأخطأوا ، لم يحكم عليهم بالضلال ، ويخشى عليهم
المأثم ، وكذلك خبر الشاهد واليمين ، لأن القائل به لا يدري هو ثابت الحكم ، أم لا ، ويرد
قضاء من قضى به ( لأن ظاهر الآية يرده ) . ( 3 )
قال : ومما يخاف عليه الإثم ولا يحكم عليه بالضلال ، من استحق دما بالقسامة مع
علمهم أن المخالفين كاذبون في حلفهم ، وأنه خلاف الكتاب ، قال الله تعالى : ( ولا تقف
ما ليس لك به علم ) ( 4 ) وقال تعالى : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) . ( 5 ) وأنكره
جماعة من السلف ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة خلافه .
قال عيسى بن أبان رحمه الله : والوجه الثالث : ما روى في الأخبار المختلفة لا نعلم
الناسخ منها ، واختلفت الأمة في العمل بها ، مع احتمال التأويل فيها ، كاختلافهم في أقل
الحيض وأكثره ، وكاختلافهم في قوله تعالى : ( فإن كان له إخوة ) ( 6 ) وقال بعضهم :
لا تكون الإخوة أقل من ثلاثة . وقال آخرون : اثنان . وكاختلافهم في مقدار السفر فيه ،
وما أشبهه طريقه اجتهاد الرأي ، ولا يأثم المخطئ ، فيه ولا يضل .
قال أبو بكر رحمه الله : والذي ذكره عيسى في هذا الموضع من تقسيم منازل موجب
الأخبار غير مخالف لما حكينا عنه في خبر التواتر ، أنه قسم واحد ، وهو الذي يوجب علم
الاضطرار ، لأن خبر الرجم إنما أوجب العلم عنده لا من طريق التواتر ، لكن لأن الأمة
عملت به سلفها وخلفها ، ولا يعد الخوارج خلافها ، فإنما يوجب العلم بوجوب هذه الأخبار
لمساعدة إجماع السلف إياه ، وجعل خبر المسح على الخفين وخبر الصرف دون ذلك ، لأن
قوما ممن يعتد بخلافهم على السلف قد ذهبوا إليهما ، إلا أنه كان عليهم المصير إلى ما روته
الجماعة ، وأخطأوا بتركهم ذلك ، ولم يبلغوا منزلة الضلال .
الفصول في الأصول — صفحة 49
مساهمون: الجصاص
ص٤٩