والناقلون لقتل المسيح إنما نقلوا عن هؤلاء الذين تولوا قتل الرجل الذي زعموا أنه المسيح ،
وهؤلاء ، إما أن يكونوا قتلوه وصلبوه ظنا منهم أنه المسيح فأخطأوا في ظنهم ، وإما أن يكونوا
تواطؤوا على الاجتهاد عنه بالكذب .
فإن قيل : الذين شاهدوه بعد القتل من اليهود والنصارى مصلوبا قد قالوا : إن
المصلوب كان المسيح ، ولم يشكوا في ذلك ، ولا سائر من نقلوا إليه الخبر به ، إلى أن أنزل الله
تعالى ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) ( 1 ) حينئذ كذب الخواطر في أمره ، وشك فيه كثير
من الناس ، واعتقد المسلمون بطلان خبرهم .
قيل له : أما الحواريون ومن كان من أصحاب المسيح مستخفين غير ظاهرين من
اليهود ، حتى طلبوا المسيح ليقتلوه ، وإنما سمعوا ممن أخبرهم أنه رأى رجلا مصلوبا ، قيل :
إنه المسيح ، وأما اليهود فما كانوا يعرفونه بعينه ، وإنما رجعوا فيه إلى قول يهوذا الذي دلهم
عليه بزعمه .
وأما قوله : إن الناس لم يكونوا يشكون في ذلك إلى أن أنزل الله تعالى : ( وما قتلوه
وما صلبوه ولكن شبه لهم ) فإن أول الناقلين لذلك لم يكونوا مخطئين في ظنهم ، أنه قتل
وصلب ، أو متواطئين على نقله ، لما جاز وقوع الشك من أحد سمع أخبار هذه الجماعات في
قتله وصلبه ، كما لا يجوز تشكيك أحد في أن المسيح قد كان في الدنيا .
فإن قيل : لو جاز أن يقال هذا فيما ذكرت لجاز على قوم مختلفي الهمم لا يجوز على
مثلهم التواطؤ ، أن يخبروا عن رجل مشهور معروف ، أنهم رأوه مصلوبا مقتولا ، فلا يقع لنا
العلم بخبرهم ، إذ لا فرق بين رؤيتهم إياه مقتولا مصلوبا ، وبين رؤيتهم إياه حيا فيما
بينهم ، والذين يقولون : إن المسيح قد كان في الدنيا ، هم الذين نقلوا إلينا أنه قتل وصلب ،
ومن عرفه حيا فيما بينهم ، هو الذي ذكر : أنه عرفه مقتولا ، مصلوبا .
قيل له : ليس الأمر فيه على ما ظننت ، لما بينا فيما سلف ، ولأن نقلهم لقتله وصلبه لو
كان في وزن نقلهم لكونه في الدنيا ، لوقع لنا العلم الضروري بقتله ، وصلبه ، كوقوعه بكونه
في الدنيا ، وليس لنقل كونه في الدنيا سبب يمنع صحة الخبر به ، ولا مدخل للشبهة فيه ،
والقتل والصلب قد اعترضهما أسباب تمنع أن يكون أصل الخبر بهما من قوم يوجب خبرهم
الفصول في الأصول — صفحة 43
مساهمون: الجصاص
ص٤٣