أسبابهم ودواعيهم . وكيف نحكم ( 1 ) بصحة الأخبار مع وجود ( 2 ) من وصفنا ( 3 ) حاله بخبر
لا أصل له ، ولا شك في كذبه ، وهم بالصفة التي ذكرتموها من اختلاف الهمم والأسباب
وامتناع التواطؤ عليه .
قيل له : شرط ما ذكرنا من الأخبار : أن ينقله قوم وصفهم ما ذكرنا ، ويخبروا عن
مشاهدة من عرفوه اضطرارا .
والنصارى واليهود لم يكذبوا على أسلافهم فيما نقلوا ، ولكن الدليل على أن أول هذا
الخبر ليس كآخره ، أنه لو كان كذلك لوقع لنا العلم بصحة ما أخبروا به ، إذ نحن وهم
متساوون في سماعة ، كما أن علوم المحسوسات والمشاهدات أن لا يختلف مشاهدوها مع
ارتفاع الموانع من كل واحد منهم ، فيما يقع لهم العلم بها ، فلما لم يقع لنا العلم بمخبر
أخبارها ، ولا مع سماعنا لها ، علمنا أن أول خبرهم كان عمن يجوز عليه الغلط والتواطؤ ،
فقلدوهم فيه ونقلوا عنهم : ( 4 ) أن العلم بكون المسيح عليه السلام في الدنيا ، كعلمنا بالأمور
المشاهدة التي لا يجوز وقوع الشك فيها ، من حيث كان أول خبرهم كآخره في اقتناع وقوع
التواطؤ منهم ، واختراع خبر لا أصل له ، فهذا الذي وصفنا يسقط هذا السؤال .
وأيضا : فإن النصارى إنما نقلوا ذلك عن أربعة يجوز عليهم الغلط ، والخطأ ،
والتواطؤ في النقل ، وأما اليهود : فلم يكونوا يعرفونه بعينه قبل قصدهم إياه لقتله ، وإنما دلهم
عليه رجل يقال له : يهودا ، كان ممن يصحب المسيح . واجتعل ( 5 ) منهم على دلالته ثلاثين
درهما ، وقال لهم : الذي تروني أقبله هو صاحبكم ، فلما رأوه فعل ذلك برجل هناك أخذوه ،
وقتلوه ، على أنه المسيح ، ولم يكن هو .
وأيضا : فإنه معلوم أنه لا يتولى قتل رجل ( إلا من يجوز ) ( 6 ) عليه التواطؤ في الأخبار ،
الفصول في الأصول — صفحة 42
مساهمون: الجصاص
ص٤٢