في منع خلاف المفضول عليه ، لأن الصحابة متفاضلون ، وأفضلهم : الخلفاء الأربعة ،
بإجماع الأمة ، وقد سوغوا مع ذلك الاجتهاد لمن دونهم معهم ، ومخالفتهم ، مثل : ابن عمر ،
وعبد الله بن عمرو ، ( 1 ) وأبي هريرة ، وأنس رضي الله عنهم ، ولو كان الفضل موجبا لهم
التفرد بالفتيا - لما جاز لأحد من الصحابة مخالفة الأئمة الأربعة ، ( وقوله عليه السلام :
( اقتدوا باللذين من بعدي ) لما لم يمنع أن يقول : معهما من دونها من الصحابة ) ( 2 ) كذلك
لا يمنع التابعي .
فإن قيل : لقول الصحابي مزية على قول التابعي ، لأنه قد شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وعلم
بمشاهدته مصادر قوله ومخارجه ، ومن بعدهم ليست له هذه الحال ، فواجب أن
لا يزاحموهم .
قيل له : ما ( عرفه الصحابي ) ( 3 ) بالمشاهدة ، قد عرفه التابعي بسماعه ممن نقله إليه ،
فلا يختلف حكمه وحكم الصحابي في ( 4 ) هذا الوجه ، لأنه غير جائز من النبي صلى الله عليه وسلم ، إطلاق
لفظ يشتمل على حكم يريد به أن ينقل عنه ليشترك العام والخاص في معرفته ، ولزوم
حكمه ، إلا وذلك اللفظ متى نقل يفيد الغائب ما أفاده الشاهد ، ولا يجوز : أن يخص
الشاهد من دلالة الحال ومخارج اللفظ ، بما لا يفيده اللفظ ، إذا نقل عنه ، إلا وحكمه
مقصور على الشاهد ، ومخصوص به دون الغائب . ( 5 )
فأما إذا أراد ( عموم الحكم ) ( 6 ) في الفريقين ، فلا معنى لاعتبار حال المشاهدة ومخارج
اللفظ ، وإذا كان ذلك كذلك ، فلا فرق بين من شاهد النبي عليه السلام وبين غيره ، ألا
ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى ما لم يسمعها . فرب
الفصول في الأصول — صفحة 335
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٥