ويدل عليه أيضا : قوله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ( 1 ) فإذا
علمناه فعل فعلا على الوجوب قلنا : التأسي به في فعله على ذلك الوجه ، فلو لا أنه قد
وجب علينا بوقوفنا على جهة فعله ، أن نفعل مثله - لما جاز لنا أن نتأسى به عليه السلام
فيه ، على وجه الإيجاب ، لأن ما ليس بواجب - لا يجوز فعله على أنه واجب ، وكذلك ما
علمنا من أفعاله : أنه فعله على وجه الندب .
قلنا : فعله على هذا الوجه ، بظاهر الآية ، فلو لا أنه قد صار ندبا لما جاز فعله على
وجه الندب ، والتأسي به أن يفعل مثل فعله ، وفي حكمه سواء ، ولا يلزم على هذا إذا لم
يعلم فعله على أي وجه وقع ، لأنه لا يمكن التأسي به في هذه الحال ، لما وصفنا .
ويدل على ذلك أيضا : أن المسلمين قد عقلوا فيما نقلوه من دين النبي عليه السلام :
أنه وسائر أمته سواء في حكم الشرع ، إلا ما خصه الله تعالى به ، وأفرده بحكمه ، دون سائر
المؤمنين ، كما عقلوا : أن أهل سائر الأعصار بعد النبي في حكم من كان في عصره في أحكام
الشرع ، وكما عقلوا : أن ما حكم به النبي عليه السلام في شخص بعينه من حكم ، جار في
سائر الأمة .
فإن كان حكما مبتدأ فالجميع فيه سواء ، وإن كان حكما متعلقا بسبب فبحدوث
( السبب ) . ( 2 ) فكل ما كان له مثل ذلك السبب فحكمه ( 3 ) حكم من حكم فيه النبي صلى الله عليه وسلم
بذلك الحكم ، وعلى هذا المنهاج والمفهوم من دين النبي عليه السلام توافقوا على نقل
أحكام النبي عليه السلام المحكوم بها في أشخاص بأعيانهم ، إلى من بعدهم ، لأنهم عقلوا
أنها أحكام جارية في جميعهم ، إلا من خصه الدليل .
ويدل عليه قوله تعالى : ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على
المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ) ( 4 ) فأخبر : أنه أباح ذلك للنبي عليه
السلام ، ليكون حكما جاريا في أمته ، ونبهنا به ، على أن النبي عليه السلام وأمته في أحكام
الشرع سواء ، إلا ما خصه الله به : من نحو تحريم الصدقة ، والجمع بين أكثر من تسع نسوة .
ويدل عليه أيضا : قوله تعالى : ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ) ( 5 ) إلى قوله
الفصول في الأصول — صفحة 225
مساهمون: الجصاص
ص٢٢٥