النفس من شهادة اثنين به لزيد ، ولو اجتمعوا كان بينهما نصفين ، فليس ( 1 ) لزيادة الشهود
تأثير في وجوب الاستحقاق .
وهو عندي مذهب أصحابنا ، لأنهم قد قبلوا من أخبار الآحاد التي عارضها خبر
الاثنين ، والثلاثة ، أخبارا كثيرة ، أكثر من أن تحصى ، ولم يلتفتوا إلى زيادة العدد . ( 2 )
وما سمعنا أيضا أبا الحسن رحمه الله قط يفرق بين خبر الواحد ، وخبر الاثنين في طول
ما جاريناه في حكم هذه الأخبار ، بل كان المفهوم عندنا من مذهبه وما لا شك فيه اعتقاده
وما يجرى عليه حجاجه : أنه لا فرق بين خبر الاثنين ، وخبر الواحد ، ولا حكى أيضا عن
أحد من أصحابنا الفرق بينهما .
وقد ذكر عيسى بن أبان رحمه الله ما يدل على ما ذكرناه . لأنه قال : يلزم من قال :
لا ألتفت إلى عمل الناس ، لأن الخبر مستغن بنفسه ، أن يقول : إذا تضادت الأخبار
أخذت بأقواها إسنادا ، وأصحها في الخبر ، فيلزمه أن يكون ما جاء من وجهين أولى أن
يعمل به ، ما جاء من وجه واحد ، ولأن الاثنين أقوى في الخبر من الواحد .
قال أبو بكر رحمه الله : فظاهر هذا الكلام يدل على : أن هذا الأصل كان متقررا بينه
وبين خصمه الذي تكلم عليه ، في أن خبر الاثنين لا مزية له على خبر الواحد ، وإن كانا
أقوى في النفس منه .
قال أبو بكر : وقد ذكر محمد في كتاب الاستحسان : أنه إذا أخبره رجلان ثقتان
بنجاسة الماء أو طهارته ، وأخبره واحد ثقة بخلاف ذلك : أنه يعمل بقول الاثنين ، وإن كان
عبدين ويترك قول الواحد وإن كان حرا .
قال : وإن أخبره حران ثقتان بالأمر بأحد الأمرين ، وعبدان ثقتان بالأمر الآخر . أنه
يأخذ بقول الحرين ، لأن شهادتهما تقطع بها الأحكام .
قال أبو بكر : وهذا لا يدل من قوله : على أن خبر الاثنين في أحكام الدين أولى من
خبر الواحد ، وذلك لأنه لا خلاف بين ناقلي أخبار الآحاد أن خبر الرجلين لا مزية له على
خبر المرأتين ، وأنهما سواء في إثبات الأحكام ، يجوز الاعتراض بأحدهما على الآخر ، وكذلك
خبر الحرين ، وخبر العبدين سواء ، لا مزية لأحدهما على الآخر ، وإن كان الحران يقطع
بشهادتهما ولا يقطع بشهادة العبدين .
الفصول في الأصول — صفحة 173
مساهمون: الجصاص
ص١٧٣