فان قيل : لم قلب النبي عليه السلام وجهه في السماء ؟
قلنا : عنه جوابان :
أحدهما : انه كان وعد بالتحويل عن بيت المقدس ، فكان يفعل ذلك انتظارا
وتوقعا لما وعد به .
والثاني : انه كان يحبه محبة طباع ، ولم يكن يدعو به حتى أذن له فيه ، لان
الأنبياء عليهم السلام لا يدعون الا بإذن الله ، لئلا يكون في ردهم تنفير عن قبول قولهم
ان كانت المصلحة في خلاف ما سألوه . وهذا الجواب مروي عن ابن عباس .
وقيل في سبب محبة النبي عليه السلام التوجه إلى الكعبة ثلاثة أقوال : أحدها
أنه أراد مخالفة اليهود والتميز منهم . والثاني انه أراد ذلك استدعاءا للعرب إلى الايمان .
والثالث أنه أحب ذلك لأنها كانت قبلة إبراهيم .
ولو قلنا إنه أحب جميع ذلك لكان صوابا .
( فصل )
و ( شطر المسجد الحرام ) نحوه وتلقاه ، وعليه المفسرون وأهل اللغة .
وعن الجبائي أراد بالشطر النصف ، فأمره أن يولي وجهه نصف المسجد حتى يكون
مقابل الكعبة .
والأول أولى ، لان اللفظ إذا كان مشتركا بين النصف والنحو ينبغي أن لا
يحمل على أحدهما الا بدليل ، وعلى الأول اجماع المفسرين .
وقوله ( ان الذين أوتوا الكتاب ) ( 1 ) هم اليهود عن السدي ، وقيل هم أحبار
اليهود وعلماء النصارى غير أنهم جماعة قليلة يجوز عليهم اظهار خلاف ما يبطنون ،
لان الجمع الكثير لا يتأتى ذلك منهم لما يرجع إلى العادة ، فإنها لم يجز ذلك مع
اختلاف الدواعي وانما يجوز العناد على النفر القليل .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 144 .