والمعنى : صدوا الهدى كراهة أن يبلغ محله ، أو هو بدل من الهدى بدل اشتمال ، ومحله منحره ، وهو حيث يحل
نحره من الحرم ، وكان الهدى سبعين بدنة ، ورخص الله سبحانه لهم يجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو
الحديبية محلا للنحر . وللعلماء في هذا كلام معروف في كتب الفروع ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم
تعلموهم ) يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة ، ومعنى : لم تعلموهم لم تعرفوهم ، وقيل لم تعلموا أنهم مؤمنون أن
تطئوهم ) يجوز أن يكون بدلا من رجال ونساء ، ولكنه غلب الذكور ، وأن يكون بدلا من مفعول تعلموهم ،
والمعنى أن تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم ، يقال وطئت القوم : أي أوقعت بهم ، وذلك أنهم لو كسبوا مكة وأخذوها
عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار ، وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة
وتلحقهم سبة ، وهو معنى قوله ( فتصيبكم منهم ) أي من جهتهم ( معرة ) أي مشقة بما يلزمهم في قتلهم من كفارة
وعيب ، وأصل المعرة : العيب مأخوذة من العر ، وهو الجرب ، وذلك أن المشركين سيقولون : إن المسلمين
قد قتلوا أهل دينهم . قال الزجاج : لولا أن تقتلوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات فتصيبكم منهم معرة : أي إثم ،
وكذا قال الجوهري ربه قال ابن زيد . وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما : المعرة كفارة قتل الخطأ كما في قوله - فإن
كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة - وقال ابن إسحاق : المعرة غرم الدية . وقال قطرب : المعرة
الشدة ، وقيل الغم ، و ( بغير علم ) متعلق بأن تطئوهم : أي غير عالمين ، وجواب لولا محذوف ، والتقدير :
لأذن الله لكم أو لما كف أيديكم عنهم ، واللام في ( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) متعلقة بما يدل عليه الجواب المقدر
أي ولكن لم يأذن لكم ، أو كف أيديكم ليدخل الله في رحمته بذلك من يشاء من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات
الذين كانوا في مكة ، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار ويفك أسرهم ، ويرفع ما كان ينزل بهم
من العذاب . وقيل اللام متعلقة بمحذوف غير ما ذكر ، وتقديره : لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته ، والأول
أولى . وقيل إن من يشاء عباده ممن رغب في الإسلام من المشركين ( لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما )
التنزيل : التميز : أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا منهم لعذبنا الذين كفروا ، وقيل التنزيل : التفرق : أي
لو تفرق هؤلاء من هؤلاء ، وقيل لو زال المؤمنون من بين أظهرهم ، والمعاني متقاربة ، والعذاب الأليم هو القتل
والأسر والقهر ، والظرف في قوله ( إذ جعل الذين كفروا ) منصوب بفعل مقدر : أي أذكر وقت جعل الذين
كفروا ( في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ) وقيل متعلق بعذبنا ، والحمية : الأنفة ، يقال فلان ذو حمية : أي ذو أنفة
وغضب : أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم ، والجعل بمعنى الإلقاء ، وحمية الجاهلية بدل من الحمية . قال مقاتل
ابن سليمان ومقاتل بن حيان ، قال أهل مكة : قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا ، فتتحدث العرب
أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفنا ، واللات والعزى لا يدخلونها علينا ، فهذه الحمية هي حمية الجاهلية التي دخلت
قلوبهم . وقال الزهري . حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة . قرأ الجمهور " لو تزيلوا "
وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وابن عون " لو تزايلوا " والتزايل التباين ( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين )
أي أنزل الطمأنينة والوقار على رسوله وعلى المؤمنين حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية ، وقيل ثبتهم
على الرضى والتسليم ( وألزمهم كلمة التقوى ) وهي " لا إله إلا الله " كذا قال الجمهور ، وزاد بعضهم " محمد
رسول الله " وزاد بعضهم " وحده لا شريك له " . وقال الزهري هي " بسم الله الرحمن الرحيم " وذلك أن الكفار لم
يقروا بها ، وامتنعوا من كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت
ذلك في كتب الحديث والسير ، فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين وألزمهم بها ، والأول أولى ، لأن كلمة التوحيد
فتح القدير — صفحة 54
مساهمون: الشوكاني
ص٥٤