قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف
قولك لا يقاومه أحد . وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد ، وأحد لا يدخل فيه . ورد عليه
أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد ، وهذا كما ترى ، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل .
قرأ الجمهور " قل هو الله أحد " بإثبات قل . وقرأ عبد الله بن مسعود وأبى " الله أحد " بدون قل . وقرأ الأعمش
" قل هو الله الواحد " وقرأ الجمهور بتنوين أحد ، وهو الأصل . وقرأ زيد بن علي وأبان بن عثمان وابن أبي إسحاق
والحسن وأبو السماك وأبو عمرو في رواية عنه بحذف التنوين للخفة كما في قول الشاعر :
عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف
وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف ، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين . ويجاب عنه بأن
الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر ( الله الصمد ) الاسم الشريف مبتدأ ،
والصمد خبره ، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات : أي يقصد لكونه قادرا على قضائها ، فهو فعل بمعنى
مفعول كالقبض بمعنى المقبوض لأنه مصمود إليه : أي مقصود إليه ، قال الزجاج : الصمد السند الذي انتهى
إليه السودد فلا سيد فوقه . قال الشاعر :
ألا بكر الناعي بخير بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقيل معنى الصمد : الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول . وقيل معنى الصمد ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد
ولم يولد . وقيل هو المستغنى عن كل أحد ، والمحتاج إليه كل أحد . وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به
في المصائب ، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول . وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . وقيل
هو الكامل الذي لا عيب فيه . وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله
ابن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي : الصمد هو المصمت الذي لا جوف له ، ومنه قول الشاعر :
شهاب حروب لا تزال جياده * عوابس يعلكن الشكيم المصمدا
وهذا لا ينافي القول الأول لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد ، ثم استعمل في السيد المصمود إليه في
الحوائج ، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير ، ومنه قول الشاعر :
علوته بحسام ثم قلت له * خذها حذيف فأنت السيد الصمد
وقال الزبرقان بن بدر :
سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا * ولا رهينة إلا سيد صمد
وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية ، وحذف العاطف
من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى ، وقيل إن الصمد صفة للاسم الشريف والخبر هو ما بعده ، والأول
أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل جمله ( لم يلد ولم يولد ) أي لم يصدر عنه ولد ، ولم يصدر هو عن شئ ،
لأنه لا يجانسه شئ ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقا ولاحقا . قال قتادة : إن مشركي العرب قالوا : الملائكة
بنات الله . وقالت اليهود : عزيز ابن الله . وقالت النصارى : المسيح ابن الله فأكذبهم الله فقال ( لم يلد ولم يولد )
قال الرازي : قدم ذكر نفى الولد مع أن الولد مقدم للاهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين : إن الملائكة
بنات الله ، واليهود : عزيز ابن الله ، والنصارى : المسيح ابن الله ، ولم يدع أحد أن لا له والدا ، فلهذا السبب بدأ بالأهم
فتح القدير — صفحة 516
مساهمون: الشوكاني
ص٥١٦